يمر قطاع غزة بمرحلة اقتصادية شديدة التعقيد في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية، وسط دمار واسع للبنية التحتية، وتوقف شبه كامل للأنشطة الإنتاجية، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة.
وفي ظل هذا الواقع، تمثل آلية إدخال البضائع إلى القطاع ركيزة أساسية في مسار التعافي الاقتصادي، باعتبارها مدخلا لإعادة تنشيط الأسواق وضبط الأسعار وتوفير فرص العمل.
وقبل الحرب في أكتوبر 2023، كان القطاع يستقبل ما بين 550 إلى 600 شاحنة يوميا، وهو ما كان يعد مؤشرا للتدفق الطبيعي للسلع، ومع اندلاع الحرب ارتفعت الحاجة إلى نحو ألف شاحنة يوميا، إلا أن القيود المفروضة أدت إلى تراجع حاد في أعداد الشاحنات، حيث بلغ متوسط الدخول في بعض الفترات نحو 42 شاحنة يوميا، مع انقطاع شبه تام عن شمال القطاع لأشهر طويلة.
وعقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بلغ إجمالي الشاحنات التي دخلت القطاع حتى فبراير 2026 نحو 30 ألف شاحنات، من أصل 69 ألفا كان يفترض إدخالها، بنسبة التزام 43%. ورغم تحسن الأرقام مقارنة بفترات الحرب، فإن المعدل اليومي البالغ 257 شاحنة يظل بعيدا عن الاحتياجات الفعلية.
الآلية الجديدة لإدخال البضائع تقوم على حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار الفلسطينيين بعد موافقات أمنية مشددة، وإلزامهم بالتعامل مع شركات إسرائيلية وسيطة في النقل والتخليص والتفتيش.
كما تفرض إسرائيل رسوم تنسيق مرتفعة تتراوح بين 300 ألف و900 ألف شيكل للشاحنة الواحدة، ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للسلع.
وأدت هذه المنظومة إلى تشكل سوق احتكارية، حيث يعاد بيع "حق الإدخال" مقابل عمولات مرتفعة، فتتضاعف الأسعار قبل وصول السلع إلى المستهلك.
ورغم انخفاض أسعار بعض المنتجات مؤخرا مع توسيع عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد، فإن السوق لا يزال خاضعا لقيود صارمة تحد من المنافسة الحرة.
ولا شك أن هذه الآلية الجديدة تكرّس تبعية السوق المحلي وتضعف القطاع الخاص الفلسطيني، وتحول التجارة من أداة للتعافي إلى أداة ضغط.
وفي ظل غياب سيادة اقتصادية حقيقية، يبقى التعافي الشامل رهينا بإعادة النظر في منظومة التحكم بحركة السلع، بما يضمن تدفقا مستقرا وعادلا للبضائع يلبي احتياجات السكان ويعيد بناء دورة اقتصادية سليمة.
مقال: هندسة الحصار الاقتصادي في غزة
أحمد أبو قمر