يشهد المسجد الأقصى المبارك منذ أكثر من أسبوع تصعيدا خطيرا في الإجراءات الإسرائيلية، مع استمرار إغلاقه ومنع المصلين من الوصول إليه، في خطوة أثارت قلقا واسعا في الأوساط الفلسطينية والدولية.
ويأتي هذا الإغلاق في وقت حساس، خاصة مع تزايد الحاجة إلى الحفاظ على حرية العبادة واحترام قدسية الأماكن الدينية، الأمر الذي يجعل استمرار هذه الإجراءات مصدر توتر متصاعد في مدينة القدس.
ويمثل منع إقامة الصلوات في المسجد الأقصى لليوم التاسع على التوالي سابقة خطيرة تمس أحد أبرز الرموز الدينية للمسلمين في العالم. كما أن هذه الإجراءات لا تقتصر على البعد الديني فحسب، بل تمتد آثارها إلى الجوانب الاجتماعية والإنسانية، حيث يضطر آلاف المصلين للبحث عن أماكن بديلة لأداء صلواتهم، في مشهد يعكس حجم القيود المفروضة على حرية العبادة.
وفي ظل هذه الظروف، برزت صور المصلين وهم يؤدون صلاة الجمعة في الشوارع والساحات القريبة من باب العامود، في محاولة للتشبث بحقهم في الصلاة بالقرب من المسجد الأقصى.
كما انعكست هذه الإجراءات على الحياة اليومية في البلدة القديمة بالقدس، حيث تراجعت الحركة التجارية وتضررت الأنشطة الاقتصادية نتيجة القيود المفروضة على الدخول والحركة.
نقطة تحول
ويرى الكاتب والباحث في الشأن المقدسي عزيز العصا أن التطورات التي شهدها فجر الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، والمتمثلة في الهجوم على إيران، شكلت نقطة تحول مهمة على مستوى المنطقة والعالم.
فهذه الأحداث، بحسب رأيه، لم تكن مجرد تطور عسكري عابر، بل محطة مفصلية أعادت رسم ملامح التوترات في الشرق الأوسط وأثرت بشكل مباشر في سياسات الأمن والإجراءات المتخذة في المنطقة.
ويشير العصا إلى أن السلطات الإسرائيلية، مع تعرضها لاحتمالات الرد الصاروخي الإيراني، سارعت إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الواسعة لحماية سكانها.
وتشمل هذه التدابير تجهيز الملاجئ بكافة احتياجات الحياة الأساسية وتوفير وسائل الحماية والخدمات الطارئة، إضافة إلى إنشاء منظومات تدخل وإنقاذ سريع للتعامل مع أي أضرار قد يتعرض لها المدنيون.
لكن العصا يلفت في المقابل إلى أن الفلسطينيين، سواء داخل الخط الأخضر أو في القدس، لا يحظون بالمستوى ذاته من الحماية أو الرعاية في ظل هذه الظروف. فهؤلاء، كما يقول، يجدون أنفسهم في مواجهة الإجراءات الأمنية المختلفة دون وجود آليات حقيقية توفر لهم الأمان أو الخدمات اللازمة، في وقت تنظر فيه الحكومة الإسرائيلية اليمينية إليهم بعين الريبة وتتعامل معهم كجماعات معادية داخل الدولة.
ويعتبر العصا أن قرار ما يسمى بالجبهة الداخلية الإسرائيلية إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين خلال هذه الأيام، بحجة الظروف الأمنية، لا يمكن فهمه إلا في إطار توظيف المبررات الأمنية لتحقيق أهداف أخرى.
"فهناك العديد من المرافق الحيوية التي تستمر في العمل عادة في مثل هذه الحالات، مثل المستشفيات والمخابز والصيدليات ومؤسسات الخدمات اليومية، الأمر الذي يجعل استثناء أماكن العبادة من ذلك القرار محل تساؤل كبير".
انتهاكات متصاعدة
بدورها، أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية تقريرها الشهري حول واقع الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى المبارك والحرم الإبراهيمي وسائر دور العبادة خلال شهر فبراير/شباط 2026.
وأشار التقرير إلى تصاعد ملحوظ في حجم الاعتداءات والإجراءات المفروضة على هذه الأماكن المقدسة.
وبيّنت الوزارة أن طبيعة هذه الانتهاكات شهدت تطورا خطيرا وغير مسبوق، سواء من حيث شدتها أو وتيرتها، الأمر الذي يعكس مرحلة جديدة من التصعيد في التعامل مع المقدسات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية.
وأكد التقرير أن خطورة هذه التطورات تتضاعف مع تزامنها مع بداية شهر رمضان المبارك، وهو ما يزيد من حساسية الوضع، خاصة في ظل تزايد القيود المفروضة على وصول المصلين إلى أماكن العبادة خلال هذا الشهر الفضيل.
في حين، أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس، أن استمرار إغلاق قوات الاحتلال للمسجد الأقصى المبارك يشكل اعتداءً خطيرا على قدسية المكان. وقالت الحركة في بيان صحفي إن منع المصلين من أداء صلاتي العشاء والتراويح خلال شهر رمضان يمثل انتهاكا واضحا لحرية العبادة واعتداءً على حقوق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية داخل أحد أهم مقدساتهم.
وأوضحت أن الإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى تأتي ضمن سياسة تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة عليه وخلق واقع جديد بالقوة.
وأضافت: "سلطات الاحتلال تستغل الأوضاع الطارئة والذرائع الأمنية لتمرير مخططات تهويدية تستهدف تغيير الوضع القائم في المسجد".
وحذرت الحركة من استمرار هذه السياسات، مؤكدة أن محاولات الاحتلال إفراغ المسجد الأقصى من المصلين والمرابطين لن تنجح في تحقيق أهدافها.
وشددت على أن هذه الإجراءات قد تمهد لمزيد من الانتهاكات والاقتحامات، داعية إلى وقفها وعدم التمادي في المساس بالمقدسات الإسلامية.