مقال: إغلاق الأقصى لليوم الرابع.. حرب دينية مكشوفة على الإسلام

محمد مصطفى شاهين 

في قلب شهر رمضان المبارك حيث تكون القلوب أقرب إلى السماء والأرواح أشد تعلقا بالعبادة يواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك لليوم الرابع على التوالي. باحاته الواسعة خالية ومآذنه صامتة ومصلوه ممنوعون من الاقتراب. ليس هذا إجراء أمنيا عابرا كما يدعون بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات المنهجية التي تكشف عن وجه حرب دينية حقيقية ضد الإسلام تستهدف أحد أعظم رموزه وأقدس قدسياته.

منذ صباح السبت الماضي أغلقت قوات الاحتلال أبواب الأقصى بحجة الطوارئ المرتبطة بالتوترات الإقليمية ومنعت حتى الموظفين والحراس من الدخول. اليوم الثلاثاء الثالث من مارس 2026 يستمر الإغلاق لليوم الرابع ومع كل ساعة تمر يتضح أن الأمر ليس مجرد رد فعل على حدث خارجي بل تعبير عن رؤية استراتيجية عميقة تسعى إلى تغيير هوية القدس الدينية. فالأقصى ليس مجرد مسجد بل هو قبلة أولى للمسلمين وثالث الحرمين ومسرى النبي ﷺ ورمز الوحدة الإسلامية عبر العصور. إغلاقه في ذروة رمضان ليس استفزازا عاديا بل رسالة مباشرة إلى مليار ونصف المليار مسلم مقدساتكم ليست آمنة وهويتكم الدينية قابلة للانتهاك.

يذكرنا هذا المشهد بتاريخ طويل من الاعتداءات على المقدسات الإسلامية في فلسطين. من حريق المسجد الأقصى عام 1969 إلى اقتحامات المتطرفين المتكررة إلى محاولات تقسيم الحرم زمانيا ومكانيا مرورا بتغيير الواقع على الأرض عبر الاستيطان والتهويد. كل هذه الأفعال ليست منفصلة بل تشكل نمطا واحدا مشروع استعماري استيطاني يستخدم الدين كأداة للهيمنة. اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يسيطر اليوم على مفاصل القرار لا يخفي نيته في فرض السيادة اليهودية على الحرم القدسي. ما يحدث اليوم هو تطبيق عملي لهذه الرؤية مستغلا الظروف الإقليمية ليمرر ما كان يعتبر سابقا خطا أحمر.

هنا يكمن العمق السياسي للأمر. إن إغلاق الأقصى ليس مجرد عقاب جماعي للفلسطينيين بل هو جزء من حرب دينية منظمة ضد الإسلام كدين وكأمة. فالاحتلال يدرك جيدا أن الأقصى يمثل للمسلمين أكثر من مكان عبادة إنه رمز للكرامة والسيادة الروحية. بإغلاقه يحاول أن يقول إن هذه السيادة قابلة للإلغاء وأن الإسلام نفسه يمكن تهميشه في أرضه المقدسة. هذه ليست حربا على الفلسطينيين فقط بل على كل مسلم يرى في الأقصى جزءا من عقيدته. وهي حرب مدعومة بآلية دعائية غربية تقدم الإجراءات الإسرائيلية دائما كدفاع عن النفس بينما تغفل الجانب الديني الواضح في الخطاب الصهيوني المتطرف الذي يصف المسجد بجبل الهيكل ويسعى إلى بناء معبد مكانه.

الأمر يتجاوز الجانب الرمزي إلى الاستراتيجي. في ظل التوترات الإقليمية الحالية يستغل الاحتلال حالة الطوارئ ليفرض واقعا جديدا تقليص الوجود الإسلامي في الأقصى وتعزيز السيطرة الأمنية الدائمة وتمهيد الطريق لاقتحامات أوسع في المستقبل. هذا النمط مألوف في تاريخ الاستعمار الاستيطاني فكما استخدم المستعمرون السابقون الدين لتبرير احتلالهم يفعل الاحتلال الصهيوني اليوم. الفرق أن هذا الاحتلال يمتلك دعما أمريكيا وغربيا غير مشروط يغطي على الانتهاكات تحت شعار الحق في الدفاع. أما الصمت العربي والإسلامي الرسمي فيزيد الطين بلة ويؤكد أن الحرب الدينية تواجهها أمة مفككة غير قادرة على توحيد موقفها حتى أمام أقدس مقدساتها.

ومن هنا يصبح التحليل أعمق هذه الحرب ليست جديدة بل هي امتداد لصراع حضاري يعود إلى عقود. الاحتلال يراهن على أن الزمن والقوة سيغيران الوعي الإسلامي تجاه الأقصى فيجعله مجرد ذكرى تاريخية بدلا من واقع حي. لكن التاريخ يعلمنا أن المقدسات لا تموت بالإغلاق بل تشتعل في الصدور. كل يوم إغلاق يزيد من الغضب المكبوت ويذكر المسلمين بأن قضية القدس ليست قضية فلسطينية محلية بل هي قضية الأمة كلها. إنها اختبار للضمير الإسلامي في زمن الوهن.

في الختام إن ما يجري في باحات الأقصى اليوم ليس مجرد إغلاق مؤقت بل إعلان حرب دينية مفتوحة على الإسلام تستهدف جوهر وجودنا كأمة. والرد الحقيقي ليس في الشعارات بل في اليقظة والعمل الجماعي الذي يعيد للأمة وعيها بقيمتها ومقدساتها. رمضان هذا العام يأتي والأقصى مغلق لكنه يفتح أبواب القلوب على حقيقة أن الصمود على الحق هو الطريق الوحيد للنصر. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.