مقال: حصار الدفع اليومي

أحمد أبو قمر

في غزة، لم تعد أزمة المال مرتبطة فقط بندرته بل بطريقة الوصول إليه، فأن تمتلك رصيدا في محفظتك الإلكترونية أو في حسابك البنكي لم يعد يعني بالضرورة أنك قادر على استخدامه حين تحتاجه.

قد يكون المال موجودا لكن الخلل في الإنترنت أو تعطل التطبيق أو تأخر التحويل أو الوصول إلى الحد اليومي المسموح، كفيلا بأن يحوّل هذا المال إلى رقم جامد لا يسد جوعا ولا يدفع أجرة ولا يشتري دواء.

هذه هي المفارقة القاسية التي يعيشها الغزيون اليوم، فمع استمرار أزمة السيولة النقدية وتلف جزء كبير من النقد الورقي واختفاء "الفكة" من التداول اليومي، اتسع الاعتماد على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية بوصفها بديلا اضطراريا لتسيير الحياة.

لكن هذا البديل، بدل أن يخفف الاختناق، بدأ يكشف هشاشة جديدة في الحياة الاقتصادية عنوانها أن أبسط الاحتياجات باتت مرتبطة بإشارة شبكة أو استجابة نظام إلكتروني أو مساحة متبقية في سقف التحويلات.

وفي الظروف الطبيعية، ينظر إلى الدفع الإلكتروني باعتباره علامة على التحديث وتوسيعا لخيارات الأفراد وتسهيلا للحركة التجارية. أما في غزة، فقد جاء هذا التحول في بيئة غير مستقرة أصلا حيث لا تزال البنية التكنولوجية والمصرفية أضعف من أن تتحمل هذا الاعتماد الواسع والمتسارع.

وهنا تحديدا تكمن المشكلة، ليس في فكرة الدفع الإلكتروني نفسها بل في تقديمها كحل مكتمل بينما هي ما تزال أداة هشة في بيئة أكثر هشاشة.

ما يحدث اليوم يكشف أن الاقتصاد الرقمي لا يمكن أن ينجح بالقوة أو تحت ضغط الضرورة وحدها، فلا يكفي أن يطلب من الناس استخدام المحافظ الإلكترونية إذا كانت هذه المحافظ نفسها قد تتعطل في منتصف اليوم أو إذا كانت حدود استخدامها اليومية لا تنسجم مع واقع الأسر التي تضطر إلى تنفيذ عدة تحويلات صغيرة ومتوسطة خلال ساعات قليلة.

كما لا يمكن اعتبار التحول الرقمي إنجازا بينما سائق المواصلات قد يخسر يوم عمله لأن تطبيق التحويل لا يعمل أو لأن الركاب أنفسهم عاجزون عن إتمام الدفعات في الوقت المناسب.

الأخطر من ذلك أن هذا الخلل لا يربك الأفراد فقط بل يربك السوق كله، فحين تصبح عمليات الشراء والبيع اليومية معلقة على أداء التطبيقات والشبكات، تنتقل الأزمة من مجرد نقص في السيولة إلى اهتزاز في الثقة الاقتصادية نفسها.

لهذا، لا ينبغي التعامل مع الدفع الإلكتروني في غزة باعتباره ترفا تقنيا أو مجرد بديل مؤقت للنقد، بل كقضية معيشية تمس قدرة الناس على تدبير حياتهم الأساسية.

وإذا لم تعالج المشكلات المرتبطة بضعف الإنترنت وسقوف التحويل وتأخر المعاملات وتعطل الأنظمة، فإن "المال الرقمي" سيتحول من أداة تسهيل إلى شكل جديد من أشكال العجز اليومي.