في صمتٍ يشبه صمت المكتبات القديمة، رحل المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي عن عمر تجاوز المئة عام، تاركاً خلفه تاريخاً كاملاً من الأوراق والشهادات والخرائط التي حاولت أن تقول للعالم إن فلسطين ليست رواية ضائعة، بل ذاكرة حيّة قاومت النسيان.
وُلد الخالدي في القدس عام 1925، في مدينة كانت آنذاك تتنفس تاريخها بهدوء، قبل أن تتكسر حياتها على صخرة النكبة. هناك، في أزقة المدينة القديمة وبيوتها الحجرية، بدأت علاقة مبكرة بين الشاب المقدسي والتاريخ، علاقة لم تكن أكاديمية فحسب، بل شخصية أيضاً، لأن ما حدث لفلسطين لم يكن مجرد مادة للبحث، بل جرحاً عاشه جيلٌ كامل.
درس في جامعة أكسفورد، ثم دخل عالم البحث والتدريس، لكن مسيرته لم تكن رحلة أكاديمية تقليدية. منذ سنواته الأولى أدرك أن التاريخ الفلسطيني مهدد بالطمس، وأن الرواية الفلسطينية تحتاج من يحرسها بالوثيقة والبحث، لا بالشعارات وحدها.
لذلك كرّس حياته لتوثيق النكبة الفلسطينية عام 1948، فجمع الشهادات والوثائق والخرائط، وكتب عن القرى التي أزيلت عن الخارطة، وعن الناس الذين حملوا مفاتيح بيوتهم ورحلوا. لم يكن عمله مجرد تأريخ، بل محاولة لإعادة رسم فلسطين كما كانت: مدناً، وقرى، وحقول زيتون، وحياة كاملة اقتُلعت من مكانها.
كان الخالدي أيضاً أحد مؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1963، التي تحولت مع السنوات إلى واحدة من أهم المراجع البحثية في العالم حول القضية الفلسطينية. ومن خلالها ساهم في بناء أرشيف معرفي واسع حفظ تفاصيل تاريخٍ حاول كثيرون إنكاره.
لكن مكانة وليد الخالدي لم تأتِ فقط من كتبه ودراساته، بل من دوره في ترسيخ ما يمكن تسميته “المدرسة التاريخية الفلسطينية” التي تعاملت مع النكبة بوصفها حدثاً موثقاً لا رواية متنازعاً عليها. في زمنٍ كانت فيه الرواية الفلسطينية تُهمَّش أو تُشكَّك، كان هو يعمل بصمت على جمع الأدلة، وتثبيت الحقائق.
على مدار عقود، ظل اسمه مرتبطاً بالبحث الدقيق والوثيقة الصلبة. كان مؤرخاً، لكنه أيضاً شاهدٌ على قرنٍ كامل من التحولات التي عاشها الفلسطينيون.
اليوم، برحيله، لا يغيب مجرد أكاديمي أو كاتب تاريخ، بل يغيب واحد من أبرز حراس الذاكرة الفلسطينية. رجلٌ أمضى حياته محاولاً أن يقول للعالم إن وراء كل قريةٍ مهجَّرة قصة، ووراء كل اسمٍ في السجلات حياة كاملة كانت هنا يوماً.
وربما كان هذا هو إرثه الأكبر: أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل تاريخ مكتوب بأسماء الناس وبيوتهم وحقولهم… تاريخ حاول وليد الخالدي أن يحفظه من الضياع، حتى آخر صفحة من حياته.