في المسافة بين صور وغزة، لا تبدو الجغرافيا بعيدة كما تبدو على الخرائط، فحين تُستهدف الذاكرة، تتشابه المدن، ويصبح الدمار سردية واحدة بأسماء مختلفة.
في لبنان، لم يكن حديث وزير الثقافة غسان سلامة عن الأضرار الثقافية مجرد توصيف عام، بل كشف عن ضربٍ مباشر لمواقع تحمل تاريخ البلاد.
في الجنوب، تضرر موقع البص الأثري، أحد أهم الشواهد الرومانية، كما أصيب متحف قيد الإنشاء في المدينة نفسها.
وفي سوق النبطية، ضاعت تحت القصف الإسرائيلي ذاكرة تجارةٍ عمرها عشرات السنين، حيث كانت الأزقة تحفظ أسماء العائلات والحرف.
لكن الضربة الأشد كانت للمكتبات.
نحو 11 مكتبة عامة تضررت، بينها ثلاث دُمِّرت بالكامل، فيما أُغلقت أخرى بسبب النزوح. هذه المكتبات كانت مساحات للأطفال والطلاب، ومراكز حياة ثقافية يومية.
وطبعا هذا المشهد.يذكرنا تماما بما حدث في غزة، لكن بوتيرة أكثر عنفًا واتساعًا.
ففي قلب المدينة، تعرّض مركز رشاد الشوا الثقافي لأضرار جسيمة، وهو أحد أهم المراكز التي احتضنت الفعاليات الأدبية والفنية لعقود.
كما تضررت مكتبات جامعية، بينها مكتبة الجامعة الإسلامية بغزة التي كانت تضم آلاف المراجع العلمية، وتحولت أجزاء منها إلى ركام.
أما الأرشيفات، فكانت خسارتها أفدح.
في بلدية غزة، تضررت وثائق تاريخية كانت توثّق المدينة منذ عقود طويلة، بعضها لا يمكن تعويضه.
ولم تسلم المواقع الأثرية؛ الأرض في موقع البلاخية الأثري، أحد أقدم الموانئ التاريخية، والذي طال القصف محيطه، أصبح مهددًا بطمس طبقات حضارية متراكمة.
وفي المسجد العمري الكبير، الذي يُعد من أقدم المعالم الدينية والتعليمية، أصابت الغارات أجزاء واسعة منه، وكأن الاستهداف يتجه نحو الرمزية قبل الحجر؛ ويسعى إلى محو التاريخ من خلال قتل الأثر.
حتى المكتبات الصغيرة، تلك التي لم تُذكر في التقارير، اختفت بصمت.
مكتبات الأحياء، زوايا القراءة، رفوف الكتب في المدارس—كلها سقطت دون أن تُحصى، لكنها كانت تشكل الذاكرة اليومية للناس.
ما يجمع بين لبنان وغزة ليس فقط حجم الخسارة، بل طبيعتها:
استهداف الأماكن التي تحفظ الحكاية والأسواق التي تحفظ صوت الناس،
والمكتبات التي تحفظ أفكارهم، والمواقع الأثرية التي تحفظ جذورهم.
وحين قال الكاتب اللبناني أحمد المديني إن تدمير الكتب هو اعتداء على الخيال والمعرفة، كان يصف مشهدًا يتكرر هنا وهناك.
الاحتلال واحد والجميع يعرفه؛ حين يعجز عن كسر الإنسان، يحاول محو ذاكرته، لكنه لا يعرف أن هذه الذاكرة حتى وهي تحت الركام، تبقى قادرة على أن تُروى من جديد.