قائمة الموقع

نساء غزة.. أعباء الحرب الثقيلة من الخيمة إلى غرفة الولادة

2026-03-11T16:32:00+02:00
الرسالة نت - متابعة


في غزة، لم تكن الحرب مجرد قصفٍ ودمارٍ يطال المباني، بل تحوّلت إلى عبء يومي تحمله النساء على أكتافهن في تفاصيل الحياة الصغيرة. فهناك أمٌّ تدفن ابنها في الصباح، ثم تعود إلى خيمتها لتشعل نارًا بسيطة وتطهو ما تيسر من الطعام لأطفالها. وأخرى تحاول أن تقوي زوجها وأبناءها بالكلمات، وتدفعهم لمواصلة الحياة والتعليم رغم كل ما فقدوه. وبين الخوف والجوع والنزوح،

تمضي النساء حاملاتٍ أجنتهن في أقسى الظروف، دون رعاية صحية أو تغذية كافية، بينما يحاولن الحفاظ على تماسك أسرهن وسط حربٍ لا تنتهي.

هذا الواقع القاسي وثّقه تقرير جديد أصدرته منظمة العفو الدولية، والذي خلص إلى أن الأثر المدمر والمتعدد الأبعاد لما تصفه المنظمة بـ"الإبادة الجماعية" التي تواصل إسرائيل ارتكابها في قطاع غزة منذ نحو 29 شهرًا دفع النساء والفتيات الفلسطينيات إلى حافة الانهيار الجسدي والنفسي.

ويشير التقرير إلى أن سياسات الاحتلال القائمة على القصف المكثف والتهجير الجماعي وفرض قيود مشددة على دخول المساعدات الأساسية خلقت ظروفًا معيشية شديدة القسوة تهدد بقاء السكان، وتلقي بعبء مضاعف على النساء، خصوصًا الحوامل والمرضعات والمصابات بأمراض مزمنة.

كارثة إنسانية متعددة الأبعاد

بحسب المنظمة الحقوقية، تواجه النساء في غزة سلسلة متشابكة من الأزمات تبدأ بالتهجير القسري المتكرر، مرورًا بانهيار منظومة الرعاية الصحية الإنجابية وصحة الأمهات وحديثي الولادة، وصولًا إلى انقطاع علاج الأمراض المزمنة مثل السرطان، وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة وسوء الصرف الصحي.

كما تتفاقم هذه الأوضاع بسبب القيود المستمرة التي تفرضها إسرائيل على دخول المواد الأساسية اللازمة لبقاء المدنيين، بما في ذلك الغذاء والأدوية والمعدات الطبية ومستلزمات الإيواء ومواد تنقية المياه وإزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة.

وتقول الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار إن النساء في غزة يدفعن ثمنًا باهظًا للحرب المستمرة، موضحة أن حياة كثير منهن تحولت إلى "صراع يومي من أجل البقاء وسط سلسلة لا تنتهي من الكوارث".

وتضيف كالامار أن النساء الحوامل والمرضعات، والأمهات اللواتي يعتنين بأطفال صغار، والنساء المصابات بأمراض مزمنة أو إعاقات، وكذلك الأرامل والنازحات اللواتي فقدن عائلاتهن، يواجهن أوضاعًا قاسية تجعل أبسط مقومات الحياة أمرًا شبه مستحيل.
وترى أن ما يحدث ليس مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيلية متعمدة تشمل التهجير القسري الجماعي وفرض قيود صارمة على المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية.

شهادات ميدانية توثق الانهيار
استند تقرير المنظمة إلى مقابلات ميدانية واسعة، إضافة إلى مراجعة بيانات طبية وإنسانية وتقارير دولية.
فبين 5 و24 فبراير/شباط 2026 أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 41 امرأة فلسطينية جميعهن مهجرات قسرًا، من بينهن ثماني مريضات بالسرطان، وأربع نساء حوامل، و14 امرأة أنجبن بعد إعلان ما سُمّي وقف إطلاق النار.

كما تحدث الباحثون مع 26 من العاملين في القطاع الصحي في ست منشآت طبية في مدينتي غزة ودير البلح، إلى جانب أربعة موظفين في منظمات إنسانية دولية.

وتكشف هذه المقابلات، وفق التقرير، صورة قاتمة لنظام صحي شبه منهار، واقتصاد مدمر، وسكان يعيشون في ظروف نزوح قاسية دون خدمات أساسية.

سياق قانوني دولي متصاعد
يشير التقرير أيضًا إلى سياق قانوني دولي متصاعد بشأن الأوضاع في غزة. ففي مارس/آذار 2025 خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية وإسرائيل، إلى أن سلطات الاحتلال دمّرت بصورة ممنهجة منظومة الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية في القطاع.

ووفق اللجنة، فإن هذه الممارسات قد تندرج ضمن أفعال محظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بما في ذلك فرض ظروف معيشية يقصد بها التدمير المادي لجماعة سكانية، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل تلك الجماعة.

انهيار نظام صحة الأمهات

من أخطر نتائج الحرب، بحسب التقرير، انهيار خدمات صحة الأمهات وحديثي الولادة.

فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن نحو 60% من نقاط تقديم الخدمات الصحية في غزة خرجت عن الخدمة. أما المنشآت التي ما تزال تعمل فتعاني نقصًا حادًا في المعدات والأدوية والكوادر الطبية، ما يضع ضغطًا هائلًا على الطواقم القليلة المتبقية.

وتشير أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن 46% من الأدوية الأساسية غير متوفرة، بما في ذلك أدوية تحفيز المخاض، وعلاج نزيف ما بعد الولادة، وأدوية التخدير والمضادات الحيوية.

ورغم توزيع بعض الإمدادات الطبية من قبل صندوق الأمم المتحدة للسكان وشركائه، فإن الاحتياجات ما تزال هائلة، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 37 ألف امرأة حامل أو مرضعة قد يعانين من سوء تغذية حاد قبل أكتوبر/تشرين الأول 2026.

دعوات دولية للتحرك
في ختام تقريرها، دعت منظمة العفو الدولية الدول إلى ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي على إسرائيل لوقف هجماتها ورفع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

كما طالبت بالسماح بعمليات الإجلاء الطبي، وتوفير خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات، إضافة إلى دعم المنظمات المحلية التي تقودها النساء داخل القطاع.
وترى كالامار أن النساء في غزة يواصلن، رغم كل شيء، الحفاظ على تماسك المجتمع، سواء من خلال رعاية أسرهن أو العمل في التعليم أو المجال الطبي داخل الخيام والمستشفيات الميدانية.

وتضيف أن شجاعة هؤلاء النساء تمثل مصدر إلهام إنساني، لكنها تشدد في الوقت ذاته على أن المجتمع الدولي تأخر كثيرًا في التحرك لوقف الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة.

اخبار ذات صلة