في العشر الأواخر من شهر رمضان، كانت ساحات المسجد الأقصى تتحول كل عام إلى مشهد مهيب يعجّ بالمصلين. آلاف المعتكفين يفترشون المصليات والساحات، وعشرات الآلاف يشدّون الرحال من القدس والضفة والداخل الفلسطيني وحتى من خارج البلاد لإحياء ليالي القدر في رحاب أولى القبلتين.
لكن هذا المشهد الذي اعتاده الفلسطينيون لعقود اختفى هذا العام على نحو غير مسبوق؛ فالساحات التي كانت تضج بالصلوات والابتهالات بدت خالية، والأبواب التي كانت تستقبل المصلين أُغلقت بالكامل، لتغيب للمرة الأولى منذ احتلال شرقي القدس عام 1967 حركة المصلين عن الأقصى خلال العشر الأواخر من رمضان.
لم يعد المصلون يتدفقون عبر أبواب البلدة القديمة كما اعتادوا، ولم تعد أصوات الباعة ترتفع قرب مداخل المسجد، حيث كانوا ينادون على التمر والماء والسجادات الصغيرة للمعتكفين. حتى الأزقة المؤدية إلى الأقصى بدت ساكنة على غير عادتها، إذ غابت الحشود التي كانت تتحرك بين صلاتي المغرب والفجر في ليالي الاعتكاف.
داخل المسجد نفسه، تبدو الصورة أكثر قسوة. فالصلاة التي كانت تقام في صفوف ممتدة داخل المصليات والساحات أصبحت تُقام بحضور محدود للغاية. ويقول أحد أئمة المسجد الأقصى، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن نبرة الأئمة في الصلاة أصبحت حزينة، في ظل غياب المصلين الذين اعتادوا تلبية نداء "حي على الصلاة".
ويضيف الإمام: "الأقصى حزين ولا يوجد في رحابه أحد"، مشيراً إلى أن الصلاة تقام أحياناً خلف الإمام بأربعة أشخاص فقط في أفضل الأحوال منذ بدء الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وهو ما انعكس في إجراءات الإغلاق المشددة التي فُرضت على المسجد.
ومع الإغلاق الحالي، بات الأذان والصلوات يُبثان عبر السماعات الداخلية فقط، في حين لا يسمع سكان البلدة القديمة أصوات الصلاة كما كان يحدث في السنوات السابقة. كما ظلّ مصلى قبة الصخرة المشرفة مغلقاً منذ بداية الحرب، ما عمّق من مشهد الفراغ داخل المسجد.
وبحسب جيران الأقصى، فإن من يتواجدون حالياً داخل الأقصى خلال أوقات الصلاة يقتصرون على عدد محدود من الأئمة، إلى جانب المؤذن ومقيم الصلاة، وحارس منبر المصلى القبلي، إضافة إلى مدير المسجد أو أحد مسؤولي دائرة الأوقاف الإسلامية.
من جهته، ذكر مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس، عمر الرجوب في تصريحات صحفية، أن حجم القيود المفروضة على المسجد الأقصى خلال هذه الفترة يعكس سياسة ممنهجة لتقييد الحياة الدينية في القدس، وفرض سيطرة إسرائيلية متزايدة على المسجد.
وأشار الرجوب إلى أن أبرز هذه الإجراءات تمثلت في الإغلاق الكامل للمسجد الأقصى بذريعة "حالة الطوارئ" المعلنة منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وهو ما أدى إلى منع المصلين من أداء الصلوات والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
وأضاف أن هذا المنع يُعد سابقة منذ احتلال القدس عام 1967، إذ لم يسبق أن أُغلق المسجد بالكامل أمام المصلين خلال هذه الأيام التي تشهد عادة أكبر حضور ديني في العام.
وبيّن الرجوب أن الإجراءات الإسرائيلية لم تقتصر على الإغلاق، بل سبقتها سلسلة من القيود الميدانية والإدارية منذ بداية شهر رمضان، من بينها منع الاعتكاف في أيام الجمعة والسبت، ووقف إدخال احتياجات المصلين والموظفين إلى المسجد.
كما شملت الإجراءات تفعيل دوريات راجلة مسلحة داخل باحات الأقصى، إضافة إلى استهداف الأنشطة الدينية والتعليمية، ومنها منع عقد الحلقات العلمية في "دار الحديث الشريف" التي تقام عادة في أروقة ومصليات المسجد.
وأشار الرجوب أيضاً إلى محاولات تغيير طبيعة إدارة المسجد الأقصى، الذي تشرف عليه دائرة الأوقاف الإسلامية، عبر تقليص بعض صلاحياتها الإدارية والتنظيمية داخل الحرم القدسي.
وفي الوقت نفسه، سُجلت زيادة في مدة اقتحامات المستوطنين للمسجد خلال ساعات الصباح، حيث أضيفت ساعة إضافية إلى أوقات الاقتحام اليومية، بالتوازي مع تنفيذ اعتقالات يومية داخل باحات الأقصى.
كما شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً في قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى، إذ جرى تسليم أكثر من 530 قرار إبعاد منذ بداية العام الجاري، شملت مرابطين وناشطين وأسرى محررين.
ولم تقتصر قرارات الإبعاد على المصلين والناشطين، بل طالت أيضاً موظفين في دائرة الأوقاف الإسلامية، حيث أُبعد نحو 24 موظفاً من الدائرة، إضافة إلى ستة من أئمة ووعاظ المسجد الأقصى.
وبينما تمر العشر الأواخر من رمضان هذا العام دون حضور المصلين في الأقصى، يبقى المشهد داخل المسجد شاهداً على مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الحرم القدسي، حيث تحولت ليالي الاعتكاف التي كانت تضج بالذكر والعبادة إلى ساعات من الصمت في ساحات فارغة، ينتظر فيها الأئمة والمؤذنون عودة المصلين إلى رحاب أولى القبلتين.