تبحث نساء غزة في هذه الأيام عن وسيلةٍ للعيش وإدخال الفرح. بقي للعيد سبعة أيام فقط، ورغم الخيام والجوع وقلة الإمكانيات، تصرّ كل امرأة هنا على صناعة كعك العيد كنوعٍ من الفرح. بعضهنّ حوّلنه إلى مشروعٍ صغير يدخلن منه بعض الشواكل لأبنائهن، لعلّها تصنع لهم لحظة ابتسام في هذا العيد.
أم محمد واحدة من هؤلاء؛ جمعت حولها بناتها وزوجات أبنائها لتصنع كعك العيد وتبيعه في مخيمات النزوح. تمرٌ قليل وعجوة ربما لم تكن على ذلك القدر من الجودة، لكنها المتاح الآن، مع بعض دقيق الكعك. وكأن غزة تقول للعالم من جديد إنها يجب أن تفرح.
لم يكن شحّ الغاز والمواد اللازمة لصناعة الكعك عائقاً. في زوايا الخيام وعلى أطراف المخيمات، بنت النساء أفراناً صغيرة من الطين والحجارة، يشعلن فيها الحطب أو الكرتون .
ترتفع رائحة الكعك من بين الخيام الممزقة، رائحة دافئة تشبه ذاكرة البيوت التي غابت. لكن خلف هذه الرائحة تختبئ قصة حصارٍ طويل. فالمعابر التي تمثل شريان الحياة للقطاع تعيش حالة إغلاق أو تشغيل محدود. معبر كرم أبو سالم – المعبر الرئيسي لإدخال البضائع – شهد دخول أعداد محدودة من الشاحنات، ففي أحد الأيام دخلت نحو 83 شاحنة فقط من البضائع والمساعدات إلى غزة، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم الاحتياجات اليومية لمليوني إنسان في القطاع.
ومنذ بدء الحرب على إيران اغلقت المعابر بالكامل؛ فمعبر رفح، المنفذ الوحيد إلى مصر، فقد فتح لفترة قصيرة بشكل محدود لخروج المرضى فقط،ثم اغلق. بينما ينتظر أكثر من 20 ألف مريض فرصة السفر للعلاج، قبل أن يُغلق مجدداً .
وتؤكد تقارير أممية أن المساعدات التي تدخل غزة أقل بكثير مما يحتاجه السكان، إذ تشير التقديرات إلى أن القطاع يحتاج إلى نحو 600 شاحنة مساعدات يومياً لتغطية الاحتياجات الأساسية، بينما تدخل أعداد أقل بكثير في كثير من الأيام.
في خيمةٍ مهترئة عند أطراف المخيم، تجلس أم محمد على قطعة قماش قديمة، تعجن الدقيق بيديها المتعبتين. حولها تجلس بناتها، إحداهن تخلط العجوة بالسمسم القليل، وأخرى تشكل دوائر الكعك الصغيرة. يضحكن أحياناً، ويتوقفن أحياناً أخرى حين يمرّ صوت الطائرات بعيداً في السماء.
تقول أم محمد وهي تخرج صينية الكعك من الفرن الطيني:"نحن لا نصنع الكعك فقط لنبيعه… نصنعه كي يشعر أطفالنا أن العيد ما زال موجوداً."
الأطفال يقتربون من المكان، يراقبون الكعك وهو يخرج ساخناً، وتلمع أعينهم برائحة العجوة. بعضهم يحصل على قطعة صغيرة مجاناً، فتتحول لحظة الانتظار إلى عيدٍ مصغر.
في المخيمات، صار الكعك أكثر من مجرد حلوى. هو وسيلة عيش لنساء فقدن بيوتهن وأعمالهن، ونافذة أمل لأطفال يعيشون بين الخيام. تخرج النساء صباحاً وهن يحملن علب الكعك البسيطة، يتنقلن بين الخيام، يبعن القطعة بشواكل قليلة، لكنها تكفي لشراء خبز أو حفنة خضار.
قد لا يكون الكعك في غزة هذا العام مثل كعك الأعياد السابقة؛ لا سكر وفير، ولا تمر فاخر، ولا أفران حديثة. فالمعابر المغلقة وشحّ المواد جعلت حتى الطحين والتمر مواد نادرة.
لكن رغم ذلك، وبينما يقترب العيد تستمر الأيادي المتعبة في العجن، وتظل أفران الطين مشتعلة بين الخيام… كأن غزة كلها تعجن فرحها القليل، لتقول للعالم مرةً أخرى: نحن هنا… وما زلنا نحاول أن نفرح.