قائمة الموقع

مقال: عقلية ترامب ومستقبل القضية الفلسطينية

2026-03-16T11:31:00+02:00
أ.محمد عوده الأغا – باحث في الشأن الإقليمي

منذ اللَّحظَةِ الأولى لِدخول "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض، أَدْركَ العالم أنه لا يُواجِهُ رئيساً بالمعنى التقليدي الذي اعتادَتْ عليه الدبلوماسية الدولية، بل ظاهرةً سياسيةً مختلفةً تماماً؛ ظاهرة أقرب إلى "عاصفة سياسية" تضرب أسس الدبلوماسية الكلاسيكية التي استقرت لعقود طويلة.

فلم يأتِ ترامب إلى الحكم حاملاً فقط برنامجاً سياسياً جديداً، بل جاء بأسلوب صدامي غير مألوف، أعاد تشكيل قواعد الخطاب السياسي، وغيّر من إيقاع العلاقات الدولية، وفتح الباب أمام نهج يقوم على المفاجأة والضغط المباشر وتوظيف الصدمة السياسية كأداة تفاوضية.

لقد بدا واضحاً منذ الأيام الأولى أن العالم أمام رئيس لا يتحرك وفق القواعد التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية، بل يتعامل مع السياسة الدولية بعقلية رجل الأعمال الذي يفضّل الصفقات السريعة والنتائج المباشرة على حساب الأعراف الدبلوماسية الطويلة والمعقدة.

وبهذا المعنى، لم يكن وصول ترامب إلى البيت الأبيض مجرد انتقال للسلطة داخل الولايات المتحدة، بل كان لحظةَ تحوّلٍ في طريقة إدارة القوة الأمريكية على المسرح الدولي؛ لحظة كشفت أن واشنطن قد تدخل مرحلة جديدة تتسم بتقلب المواقف، وارتفاع منسوب التوتر، واعتماد سياسة الضغط الأقصى، في مشهد بدا للكثيرين وكأنه إعادة صياغة لقواعد اللعبة الدولية برمتها.

بالنسبة لنا في فلسطين، لم يكن التغيير الذي حملته مرحلة دونالد ترامب مجرد تبدّل في العناوين أو السياسات الظاهرة، بل كان تحولاً عميقاً في المنطق الذي تُدار به القضية ذاتها؛ فالقضية الفلسطينية، التي ظلت لعقود تُطرح في إطار التاريخ والحقوق والقانون الدولي، دخلت في هذه المرحلة إلى مقاربة مختلفة تماماً.

في هذا التصور، لم تعد الذاكرة الوطنية، ولا الرواية التاريخية، ولا قرارات الشرعية الدولية عناصر حاسمة في صياغة المستقبل؛ بل جرى استبدالها بمنطق السوق والصفقات، فبدلاً من لغة الحقوق التي تتحدث عن الأرض والهوية والعودة والعدالة التاريخية، برزت لغة مختلفة تماماً تقوم على الحسابات الاقتصادية، وموازين القوة، ومقايضات المصالح.

وهنا يكمن التحول الحقيقي: الانتقال من "لغة الحقوق" إلى "لغة الصفقات"، هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الأسلوب السياسي، بل كان بمثابة زلزال فكري وسياسي أعاد تعريف موقع القضية الفلسطينية في النظام الإقليمي والدولي، وأعاد طرح سؤال الوجود السياسي الفلسطيني نفسه؛ هل سيبقى قائماً على أساس الحقوق التاريخية والقانونية، أم سيتم دفعه تدريجياً إلى إطار جديد تُقاس فيه القضايا الوطنية بميزان الربح والخسارة، لا بميزان العدالة والشرعية؟

وحتى نستطيع الإجابة على هذه التساؤلات، سوف أنتقل بك عزيزي القارئ سريعاً لعقل "ترامب" لنرى كيف يفكر بصورة عامة وكيف يتخذ قراراته، وهل ما يقال بحقه من عشوائية وتهور حقيقي، أم أنه يخطط على مبادئ وقواعد راسخة لديه؟

يردد كثير من النخب السياسية والإعلامية أن دونالد ترامب يتصرف بعشوائية أو اندفاع، وأن قراراته غالباً ما تبدو غير محسوبة، غير أن القراءة المتأنية لمسار سلوكه السياسي، توحي بصورة مختلفة؛ فنحن لا نقف بالضرورة أمام فوضى بلا معنى، بل أمام ما يمكن تسميته "العشوائية الوظيفية".

في هذا الإطار، تبدو الفوضى أداة سياسية مقصودة أكثر منها خللاً في السلوك؛ فترامب يوظف عنصر المفاجأة والإرباك لكسر حالة الجمود التي تحكم كثيراً من الملفات الدولية، وهو يدرك أن جزءاً كبيراً من المنظومة الدولية – مثل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي – تعاني من بطء بيروقراطي وترهل مؤسسي تجعل قراراتها بطيئة ومقيدة بسلاسل طويلة من الإجراءات والتوازنات، لذلك يلجأ إلى أسلوب يصفه بعض أنصاره بالهدم الخلاق؛ أي إرباك القواعد القائمة بهدف إعادة تشكيلها وفق معادلات جديدة.

ومن هنا، فإن ما يبدو أحياناً كتغريدة اندفاعية أو تصريح صادم عبر منصة Truth Social التي يمتلكها ترامب، قد لا يكون مجرد انفعال لحظي، بل يمكن أن يعمل بوصفه بالون اختبار لقياس ردود الفعل الدولية ومدى صلابة الخصوم، وفي أحيان أخرى قد يؤدي دوراً مختلفاً تماماً حيث يعمد إلى تشتيت الانتباه الإعلامي والسياسي عن تحركات أكثر عمقاً تجري بصمت في كواليس التفاوض والغرف المغلقة.

ولمزيد من التعمق في عقلية ترامب يمكنك عزيز القارئ مشاهدة التقرير الذي نشرته قناة الجزيرة بعنوان: "داخل عقل ترمب.. ماذا تكشف كتبه عن شخصيته وطريقته في التفكير وصناعة القرار؟" وسوف أضع بين يديك أهم ما ورد في هذا التقرير من وجهة نظري:

المبالغة الصادقة: كما ورد في كتابه The Art of the Deal، يؤمن ترامب بأن اللعب بالحقائق وتضخيمها هو وسيلة مشروعة لجذب الانتباه وفرض واقع جديد، في السياسة، يترجم هذا إلى إطلاق وعود أو تهديدات "خيالية" لإجبار الأطراف على الجلوس إلى الطاولة وهم في حالة ذعر.

عقلية "المطور العقاري": يرى ترامب العالم عبارة عن "أصول" (Assets)، في هذه العقلية، لا توجد قضايا مقدسة، بل هناك قضايا ذات قيمة وأخرى خاسرة، هو لا يرى القضية الفلسطينية كصراع وجودي، بل كنزاع حدودي يمكن حله ببعض المال والضغط والوعود الاستثمارية.

عقدة "القوي والمؤثر": يستند ترامب في سياسته إلى مبدأ ورد في كتابه Think Big؛ وهو أن العالم لا يحترم إلا القوي الذي يضرب بقوة، هذا يفسر استخفافه بالقيادات التي تعتمد الشرعية الدولية كدرع وحيد، فهو يراها علامة ضعف لا تستحق التفاوض.

واستناداً لما سبق تشكل عقلية "دونالد ترامب" تهديداً جوهرياً لمستقبل القضية الفلسطينية، فبدلاً من مقاربة القضية على أنها ملف حقوقي وتاريخي يتطلب عدالة ورَد الحقوق، تُحوّل هذه العقلية الملف إلى ساحة صفقات وتبادلات اقتصادية، من حيث تسييل الحقوق إلى مشاريع تنموية، وفرض حقائق على الأرض لتقزيم ملفات مثل القدس واللاجئين، والالتفاف الإقليمي الذي يطوق العملية السياسية، والنتيجة المنطقية لذلك هي تآكل الحقوق وظهور حلول ناقصة تُقاس بميزان المصالح لا بميزان العدالة.

حيث يسعى ترامب لتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مشروع تطوير اقتصادي، فهو يرى إذا ما توفرت للفلسطينيين فرص عمل وحياة رغيدة، سيتنازلون عن الأحلام السياسية مثل السيادة والقدس والعودة، هذا هو جوهر "السلام الاقتصادي" الذي يتبناه.

ولذلك لا يضيع وقته في ملفات يراها ميتة، وأبرز مثال على ذلك هو ملف القدس الذي أُغلق بنقل السفارة الأمريكية، وملف اللاجئين الذي يرى أن حلَّهُ يكون بتجفيف منابع الأونروا، معتمدا في ذلك على سياسة "فرض الحقائق لتصبح ثوابت"، ثم يطلب من الطرف الفلسطيني التفاوض على ما تبقى، ويرى أن دمج كيان الاحتلال في المنطقة عبر ما يسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية سيضع الفلسطينيين أمام واقع يضطرهم للقبول بما يُعرض عليهم.

إذاً، يمثل سلوك ترامب السياسي تحول عنيف من الدبلوماسية القانونية إلى دبلوماسية المقايضة، واتضح أنه مُخَطِّطٌ بارعٌ في تحديد أهدافه الكبرى، لكنه عشوائي تكتيكي لضمان إرباك الجميع، وبالنسبة لنا كفلسطينيين، يمثل نهجه محاولة لتحويل الحقوق الوطنية إلى أصول اقتصادية خاضعة للتفاوض، معتمداً على فرض الحقائق على الأرض وتجاوز الإجماع الدولي.

وعليه، فإن خطورة ترامب لا تكمن في كرهه أو حبه لجهة ما، بل في كونه لا يرى ما لا يمكن ترجمته إلى أرقام وقوة، حيث تضع عقلية ترامب الفلسطينيين أمام معضلة حقيقية حيث أن زمن الرهان على أخلاقيات المجتمع الدولي قد انتهى، وبدأ زمن صناعة أوراق القوة.

إذاً، كفلسطينيين يتطلب المستقبل في ظل عقلية ترامب قيادة فلسطينية قادرة على اللعب في ملعب الصفقات، ليس من باب التنازل، بل من باب جعل كلفة تجاهل الحق الفلسطيني أعلى بكثير من كلفة الصفقة العادلة، فترامب لا يحترم من يشتكي، بل يحترم من يملك القدرة على التعطيل أو الإنجاز، لذا فالمعركة هي معركة إرادات صلبة في مواجهة عقلية مفاوض شرس لا يؤمن إلا بمنطق الربح والخسارة.

اخبار ذات صلة