في اللحظة التي انشغل فيها العالم بمتابعة أخبار الحرب مع إيران، سقطت غزة مرة أخرى من شاشات الأخبار. لم تختفِ الحرب هناك، ولم يتوقف الألم، لكن الكاميرات فقط هي التي أطفأت ضوءها.
ومع غياب الضوء، عادت المجاعة تتسلل بهدوء إلى خيام الناس، كما لو أنها شبح يعرف الطريق جيداً؛ وغزة اليوم لا زالت تموت، بالقصف وبالخروقات المستمرة والآن في طريقها ببطء، نحو الجوع.
تشير المعطيات الإنسانية إلى تراجع كبير في كميات المساعدات التي تدخل إلى قطاع غزة. فبينما يحتاج القطاع إلى أكثر من 1000 شاحنة مساعدات يومياً لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، لا يدخل حالياً سوى نحو 200 شاحنة فقط. وهذا يعني ببساطة أن ما يصل إلى الناس لا يغطي سوى 30 إلى 40 في المئة من احتياجاتهم الأساسية.
لكن الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات ، بل أن كل شاحنة ناقصة تعني عائلة بلا طعام، وكل يوم تأخير يعني أن طفلاً سينام جائعاً.
القيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية تزيد من عمق المأساة؛ فالغذاء والبروتينات والخيام وحتى مواد النظافة تخضع لقيود صارمة، في وقت يعيش فيه نحو مليون ونصف مليون فلسطيني بلا منازل بعد تدمير بيوتهم خلال الحرب. هؤلاء يعيشون اليوم في خيام مهترئة، أو في مراكز إيواء مكتظة، أو في منازل متضررة بالكاد تصلح للحياة.
وفي داخل هذه الخيام، تتسلل المجاعة إلى الأجساد الأضعف أولاً.
المؤسسات الإنسانية ترصد يومياً حالات جديدة من سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء، ولا سيما الحوامل. أمهات يحاولن تقاسم لقمة واحدة بين عدة أطفال، وأطفال لم يعد البكاء يجدي معهم لأن الجوع صار حالة دائمة، لا طارئة.
المأساة أن هذه المجاعة لا تحدث في مكان معزول عن العالم، بل على مرأى منه، لكن العالم، ببساطة، مشغول.
الحروب الكبرى تسرق الضوء دائماً. عندما تندلع مواجهة جديدة في مكان آخر، تتحول الكارثة القديمة إلى خبر صغير في الهامش. وهكذا تحولت غزة، مرة أخرى، إلى مأساة صامتة.
ومع استمرار القيود على إدخال المساعدات، تحذر المؤسسات الإنسانية من أن مشهد المجاعة قد يعود إلى قطاع غزة بصورة أشد قسوة مما كان عليه خلال حرب الإبادة. هذه ليست مبالغة إنسانية، بل تحذير حقيقي: الجوع حين يبدأ لا يتوقف بسهولة، لأن المجاعة لا تحدث فجأة.
إنها تبدأ بوجبة ناقصة، ثم يوم بلا خبز، ثم أسبوع بلا بروتين، ثم أجساد تبدأ في الذبول ببطءو غزة اليوم تقف على هذه الحافة.