في صباحٍ ثقيلٍ يشبه الانتظار، لم يكن في بيت أم محمد سوى ما يكفي لوجبة واحدة. تقسم الرغيف بين أطفالها الأربعة، وتحاول أن تُخفي ارتجاف صوتها وهي تقول: “نأكل اليوم… ولا نعرف ماذا عن الغد”. لم تعد هذه الحكاية استثناءً في غزة، بل أصبحت القاعدة التي تُلخّص واقعًا يزداد قسوة بالأرقام.
تشير المعطيات الميدانية إلى تراجعٍ حاد في دخول المساعدات، حيث لا يتجاوز عدد الشاحنات التي تدخل القطاع 200 شاحنة يوميًا، في حين أن الحد الأدنى المطلوب لتلبية الاحتياجات الأساسية يتجاوز 1000 شاحنة يوميًا. هذا العجز الهائل – الذي يصل إلى نحو 80% من الاحتياج اليومي – ترك أثره المباشر على كل بيت.
في الأسواق، لم تعد السلع كما كانت. الطحين، الأرز، والزيت – وهي أساس الغذاء اليومي – أصبحت نادرة، وإن وُجدت، فبأسعار تفوق قدرة معظم السكان. ومع انهيار القدرة الشرائية، باتت العائلات عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها، حتى في حال توفرها.
الأرقام الأممية تعكس صورة أكثر قتامة؛ إذ يعاني أكثر من 80% من سكان غزة من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما دخل مئات الآلاف مرحلة “الطوارئ” و”الكارثة”، وهي أعلى درجات التصنيف العالمي للجوع. لم يعد الأمر متعلقًا بالفقر فقط، بل بانعدام الغذاء نفسه.
الأطفال هم الأكثر هشاشة في هذه المعادلة القاسية. تقارير طبية تحذر من تصاعد خطير في حالات سوء التغذية، خاصة بين الرضع وصغار السن، في ظل نقص الحليب والعناصر الغذائية الأساسية. وفي بعض المراكز الصحية، يُسجل ارتفاع ملحوظ في حالات الهزال وضعف النمو، وسط نقص الإمكانيات الطبية.
ومع استمرار إغلاق المعابر لفترات طويلة وتعطل سلاسل الإمداد، تراجع إنتاج المخابز، وتوقفت أخرى عن العمل بسبب نقص الوقود والطحين، ما جعل الحصول على الخبز ذاته تحديًا يوميًا. كثير من العائلات باتت تعيش على وجبة واحدة يوميًا، وأخرى تكتفي بـ الخبز والماء، فيما تضطر بعض الأسر إلى قضاء أيام كاملة دون طعام.
تحذيرات الأمم المتحدة لم تعد دبلوماسية هذه المرة، بل مباشرة وصريحة: غزة تقف على حافة مجاعة فعلية، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن خطر الوفيات الجماعية بسبب الجوع يصبح احتمالًا واقعيًا، لا مجرد سيناريو بعيد.
في المساء، تعود أم محمد لتُطفئ الضوء مبكرًا، ليس لأن الليل حلّ، بل لأن الجوع يحتاج إلى نومٍ طويل كي يُحتمل. في غزة، لم تعد المجاعة كلمة تُخيف… بل واقعًا يقترب، خطوةً بعد أخرى، مدفوعًا بأرقام لا تكذب.