مع اقتراب عيد الفطر، تتجه أنظار الأطفال عادةً إلى واجهات المحال المليئة بملابس العيد الجديدة، غير أن هذه المشاهد باتت بعيدة المنال لكثير من أطفال قطاع غزة، الذين أصبح شراء الملابس المستعملة، المعروفة محليًا بـ"البالة"، خيارهم الوحيد في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الملابس والأحذية.
في أحد محال الملابس المستعملة بمدينة غزة، تتنقّل أم خالد بين أكوام الملابس بحثًا عن قطع تناسب أطفالها الثلاثة. تقول، وهي تفحص القمصان بعناية: "كنا نحرص كل عام على شراء ملابس جديدة للعيد، لكن الأسعار اليوم مرتفعة جدًا، ولم يعد أمامنا سوى البالة".
ولا يقتصر الأمر على شراء الملابس المستعملة فحسب، إذ باتت بعض العائلات عاجزة حتى عن توفير هذا الخيار، ما يعني أن عددًا من الأطفال قد يستقبلون العيد بملابسهم القديمة، خاصةً أن أسعار قطع "البالة" ارتفعت هي الأخرى، بسبب إغلاق المعابر وارتفاع تكاليف التنسيق لإدخالها.
وبحثت هدى سالم ثلاثة أيام متواصلة عن ملابس مناسبة لأطفالها الثلاثة، ضمن الميزانية المحدودة التي خصصتها لعيد الفطر، متنقلةً بين عدد من أكبر محال الملابس في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة، قبل أن تصطدم بواقع الأسعار المرتفعة، التي وصفتها بأنها أعلى بكثير مما كانت عليه في الأعوام الماضية.
وتقول هدى إنها شعرت بصدمة من الأسعار المعروضة في محال الملابس الجديدة، ما دفعها في النهاية إلى التوجه نحو محال "البالة"، حيث تمكنت من شراء ملابس العيد لأطفالها بعد بحث طويل.
وتعمل هدى عاملةَ نظافةٍ في إحدى العيادات الخاصة، مقابل راتب شهري يبلغ نحو 500 شيكل، وهو الدخل الوحيد لعائلتها بعد أن فقد زوجها عمله نتيجة الحرب. وتوضح أن هذا المبلغ بالكاد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، ما يجعل شراء ملابس جديدة للعيد أمرًا صعبًا.
وتضيف: "حتى أسعار البالة ارتفعت هذا العام، لكنها تبقى الخيار الوحيد المتاح لنا".
من جهته، يقول أحمد، وهو شاب في العشرينات يعمل في أحد أشهر محال "البالة" في مدينة غزة، إنه لاحظ خلال الأيام الأخيرة زيادةً واضحةً في الإقبال على شراء الملابس المستعملة مقارنةً بالمواسم السابقة.
ويضيف: "في مواسم العيد السابقة، كان معظم الناس يتجهون لشراء الملابس الجديدة، أما الآن فكثير منهم يقصدون أسواق البالة بسبب قلة الأموال وارتفاع الأسعار".
ويشير أحمد إلى أن الإقبال الأكبر في هذه الفترة يتركّز على ملابس الأطفال، إذ تحرص العائلات على توفير شيء مختلف لأبنائها في العيد، حتى وإن كان مستعملًا.
ويلفت إلى أن الملابس المستعملة لم تسلم بدورها من ارتفاع الأسعار، لكنها ما تزال أقل تكلفة بكثير من الملابس الجديدة، موضحًا أن "شراء طقم عيد كامل لطفل – قميص وبنطال – قد لا يتجاوز ثمن نصف قطعة من الملابس الجديدة".
وخلال جولة في هذه الأسواق، لوحظ أن محال "البالة" تشهد ازدحامًا ملحوظًا من المتسوقين من مختلف الأعمار، بينما يعرض أصحابها بضائع متنوعة يحاولون من خلالها تلبية الطلب المتزايد مع اقتراب العيد.
كما يُلاحظ في الآونة الأخيرة تزايد عدد محال بيع الملابس المستعملة في غزة، في مؤشر يعكس التحولات التي طرأت على أنماط الشراء لدى السكان في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وبين أكوام الملابس المستعملة، يبحث الأطفال عن قطعة تمنحهم شعورًا بفرحة العيد، حتى وإن لم تكن جديدة. ففي غزة، أصبحت "البالة" بالنسبة لكثير من العائلات الوسيلة الوحيدة للحفاظ على تقليد بسيط: أن يرتدي الطفل شيئًا مختلفًا في صباح العيد