تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثالث والعشرين على التوالي، في خطوة تعد من أطول فترات الإغلاق التي يشهدها المسجد، وسط منع شبه كامل لوصول المصلين، بذريعة الأوضاع الأمنية المرتبطة بالحرب الجارية مع إيران.
ويثير استمرار الإغلاق بعد انتهاء شهر رمضان، بما يحمله من رمزية دينية خاصة، مخاوف متزايدة من تحول هذه الإجراءات من تدابير مؤقتة إلى سياسة دائمة، تعيد رسم قواعد الوصول إلى المسجد وتفرض واقعا جديدا على الأرض.
ويرى مراقبون ومختصون أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل إدارة الحرم القدسي، مستفيدة من الظروف الإقليمية الراهنة وتراجع الاهتمام الدولي، في تطور يصفه كثيرون بأنه الأخطر منذ سنوات.
تحول نوعي
هذا الإغلاق الممتد لا يُنظر إليه كإجراء أمني عابر، بل كتحول نوعي في طريقة التعامل مع المسجد الأقصى.
ففي الوقت الذي اعتادت فيه المدينة على قيود مؤقتة في فترات التوتر، فإن استمرار الإغلاق بهذه المدة، وامتداده لما بعد رمضان، يطرح تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراءه.
بدوره، حذر فخري أبو دياب، عضو مجلس أمناء المسجد الأقصى، من أن استمرار الإغلاق يعكس توجها متصاعدا نحو فرض سيطرة إسرائيلية أوسع على المسجد.
وقال أبو دياب لـ"الرسالة نت" إن الإجراءات لم تتراجع بعد انتهاء الشهر الفضيل، بل استمرت بالوتيرة ذاتها، ما يشير إلى وجود سياسة ممنهجة تهدف إلى تثبيت القيود المفروضة.
وأضاف: "هذه السياسات تتجاوز مجرد تنظيم الدخول، لتشمل التحكم في تفاصيل إدارة المسجد، بما في ذلك مواعيد فتحه وإغلاقه، وهو ما يمثل مساسا مباشرا بالصلاحيات التاريخية القائمة".
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تضعف دور دائرة الأوقاف الإسلامية، التي تتولى تقليديا إدارة شؤون المسجد، ما يهدد نظام الوصاية القائم منذ عقود.
ولا تقتصر المخاوف على البعد الإداري، إذ يرى أبو دياب أن ما يجري يعكس مشروعا سياسيا أوسع يهدف إلى تغيير الواقع القائم في الحرم القدسي، مستفيدا من غياب ردود فعل دولية مؤثرة، وهو ما قد يشجع على المضي قدمًا في تنفيذ هذه السياسات.
إعادة تشكيل الواقع
وتعزز هذه القراءة ما خلصت إليه ورقة تحليلية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، والتي تناولت الإغلاق باعتباره أداة لإعادة تشكيل الواقع في المسجد الأقصى.
وتشير الورقة التي اطلع عليها مراسل "الرسالة نت" إلى أن الإجراءات التي تقدم على أنها مؤقتة غالبا ما تتحول، في السياق المقدسي، إلى سياسات دائمة مع مرور الوقت.
وتستند هذه الفرضية إلى تجارب سابقة، حيث أدى تكرار الإجراءات الاستثنائية إلى تطبيعها تدريجيًا، بحيث تصبح جزءا من الواقع الإداري والأمني للمكان.
وبحسب التحليل، فإن فترات الأزمات تُستخدم كفرص لفرض تغييرات يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية.
كما تسلط الدراسة الضوء على دور التيارات القومية الدينية داخل إسرائيل، التي تدفع باتجاه تغيير قواعد إدارة المسجد الأقصى، مستفيدة من حالة الانشغال الإقليمي والدولي.
وترى أن استمرار الإغلاق قد يمهد لمرحلة جديدة تصبح فيها حرية الوصول إلى المسجد خاضعة بشكل دائم لاعتبارات أمنية مشددة.
وتحذر الورقة من أن المساس بالوضع القائم في الأقصى لا يحمل أبعادا دينية فقط، بل يمتد ليشمل تداعيات سياسية وأمنية واسعة، نظرا للمكانة المركزية التي يحتلها المسجد في الوعي الفلسطيني، ما قد يؤدي إلى توترات متصاعدة في القدس ومحيطها.
على الصعيد الرسمي، أدانت جامعة الدول العربية استمرار إغلاق المسجد الأقصى، معتبرة أن هذا الإجراء يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وللوضع القانوني والتاريخي القائم في الحرم القدسي الشريف. كما وصفته بأنه استفزاز غير مسبوق لمشاعر المسلمين وتقويض واضح لحرية العبادة.
وينظر إلى هذا الموقف باعتباره تعبيرا عن قلق متزايد من خطورة المرحلة الحالية، خاصة في ظل استمرار الإغلاق خلال فترة دينية حساسة، وما يحمله ذلك من دلالات تتجاوز البعد الأمني.
وتجدر الإشارة إلى أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى لهذه المدة الطويلة يكشف عن تحول مقلق في طبيعة الإجراءات الإسرائيلية من تدابير مؤقتة إلى سياسة قابلة للاستدامة، تهدف إلى إعادة صياغة الواقع القائم.