قائمة الموقع

"الجوع بلا فاعل"... كيف أعاد وثائقي فرنسي تشكيل مأساة غزة؟

2026-03-30T19:58:00+03:00
متابعة-الرسالة نت

في زمنٍ تُصنع فيه السرديات بقدر ما تُوثَّق الوقائع، جاء الفيلم الوثائقي الفرنسي "غزّة: الجوع كسلاح؟"، الذي بثّته قناة BFMTV ضمن برنامج "خطوط حمراء"، ليطرح سؤالاً أكبر من عنوانه: هل ما يُعرض تحقيق صحافي، أم إعادة إنتاج لرواية تُخفي الفاعل وتُظهر الضحية فقط؟

على مدى 39 دقيقة، قدّم الفيلم مشاهد قاسية من داخل قطاع غزة: أطفال يتضوّرون جوعاً، طوابير طويلة تنتظر المساعدات، رجال يحملون أكياس الطحين فوق ركام المنازل، ومرضى يُنقلون بعربات بدائية. لكن خلف هذا العرض المكثّف للمعاناة، غابت الإجابة الأهم: من المسؤول؟

استند الفيلم إلى 25 مصدراً، كان من بينهم 8 فلسطينيين فقط، مقابل 15 مصدراً إسرائيلياً أو مؤيداً لإسرائيل. ظهر بنيامين نتنياهو ثلاث مرات، إلى جانب مسؤولين عسكريين وأمنيين، في بيئات منظمة ومريحة، بينما اقتصر حضور الفلسطينيين على شهادات من داخل الخيام والمستشفيات المدمّرة. هذا التفاوت لم يكن رقمياً فقط، بل انعكس في طبيعة السرد، حيث يظهر الفلسطيني كضحية جائعة، بينما يُمنح الطرف الآخر مساحة تفسير وتبرير.

اعتمد الوثائقي بشكل متكرر على صياغات مبنية للمجهول، مثل "دُمّرت 92% من المساكن" و"تعرّضت البنية التحتية للدمار"، دون تحديد من قام بذلك. بهذا الأسلوب، تتحوّل الإبادة من فعل سياسي وعسكري إلى ما يشبه "كارثة طبيعية" تُرى آثارها دون الإشارة إلى مسبّبها.

وفي أحد المشاهد، تظهر خريطة لقطاع غزة منفصلاً عن الضفة الغربية والقدس، وكأنه كيان مستقل بلا سياق سياسي أو تاريخي، ما يعزّز سردية تختزل ما يجري في "أزمة إنسانية" بدلاً من كونه امتداداً لواقع الاحتلال والحصار.

كما يُبرز الفيلم مشاهد نهب شاحنات المساعدات، ويستند إلى شهادات تُحمّل المسؤولية لعصابات محلية، دون ربط ذلك بانهيار البنية المدنية نتيجة الحرب والحصار. هكذا، تتحول المجاعة من نتيجة لسياسات ممنهجة إلى "فوضى داخلية" معزولة عن أسبابها.

وفي أحد المقاطع، يُستخدم وصف توزيع المساعدات بأنه "إطعام لحيوانات خطرة في سفاري"، على خلفية صور لآلاف الفلسطينيين خلف الأسلاك الشائكة، في توظيف بصري يعيد إنتاج نظرة تُجرّد الإنسان من إنسانيته وتبرر السيطرة عليه.

ويبلغ هذا الخطاب ذروته في مشهد مصوَّر من داخل دبابة إسرائيلية، حيث يظهر الفلسطينيون كنقاط صغيرة تتحرك ضمن مسارات محددة، بينما يروي جندي إطلاق النار عليهم عند اقترابهم، في تصوير يُقدَّم كإجراء أمني، لا كفعل يستهدف مدنيين.

في المقابل، يتجاهل الفيلم حقيقة منع الصحافيين الأجانب من دخول غزة، رغم مطالبات أكثر من 200 مؤسسة إعلامية وحقوقية بفتح المجال أمام التغطية المستقلة، ما يفسر هيمنة رواية واحدة على المشهد.

وفي ختام الوثائقي، تحلّق الكاميرا فوق ركام غزة، مقدّمة مشهداً واسعاً للدمار بلا أسماء أو فاعلين أو سياق. تتحوّل المأساة إلى أزمة إنسانية مجرّدة، ويُختزل الفلسطيني في صورة الضحية، دون تاريخ أو قضية أو حق. في عالمٍ تُبنى فيه الحقائق عبر الصورة، لا يكفي أن نرى المعاناة، بل يجب أن نعرف من صنعها.

اخبار ذات صلة