قائمة الموقع

مقال: حين يشرّع الاحتلال القتل

2026-03-31T00:23:00+03:00
رامي خريس


في لحظة سياسية مشحونة، اختار برلمان الاحتلال الإسرائيلي — الكنيست — أن يمرّر قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بالقراءات الثلاث، ليس بوصفه إجراءً قانونيًا عابرًا، بل كرسالة سياسية صريحة تُكتب بمداد القوة لا بالحبر التشريعي. 

فالقانون، في جوهره، لا يضيف أداة جديدة لمنظومة الاحتلال بقدر ما يكشف تحوّلًا عميقًا في مزاجها: من إدارة الصراع إلى السعي لحسمه عبر الردع المطلق.
المفارقة الصارخة أن هذا التشريع يأتي بينما سجل الاحتلال مليء بحالات قتل الفلسطينيين لحظة الاعتقال أو خلال العمليات العسكرية، خارج أي محاكمة أو إطار قانوني. 

بمعنى آخر، فإن الإعدام كان حاضرًا بالفعل على الأرض، لكن الجديد اليوم هو محاولة تحويله إلى سياسة رسمية مُقنّنة، تمنح القتل غطاءً قانونيًا وتسعى إلى تطبيع فكرة الموت كجزء من النظام القضائي.

اختيار توقيت إقرار القانون لم يكن عفويًا، فبينما يحيي الفلسطينيون ذكرى يوم الأرض — المناسبة التي تختزل صراعهم التاريخي على الهوية والوجود — بدا وكأن الاحتلال يبعث برسالة معاكسة تمامًا: إذا كنتم تتمسكون بالأرض، فنحن نملك القدرة على توسيع دائرة القتل.
 إنها مواجهة رمزية بين ذاكرة شعب يسعى للبقاء، ومنظومة قوة تحاول فرض معادلة الخوف.

لكن القانون لا يمكن قراءته في السياق الفلسطيني وحده، فالتصعيد الإسرائيلي المتواصل على أكثر من جبهة، من غزة إلى لبنان، وصولًا إلى الحرب على إيران، يعكس محاولة أوسع لإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

 الاحتلال لا يخوض فقط معارك عسكرية أو أمنية، بل يسعى إلى تثبيت معادلات ردع جديدة تؤسس لمرحلة يكون فيها اللاعب المهيمن إقليميًا، القادر على فرض قواعد الاشتباك وحدود القوة.

في هذا السياق، يصبح قانون الإعدام جزءًا من استراتيجية أوسع: كسر إرادة الأعداء، وإرسال إشارات ردع قاسية، وتقديم صورة داخلية لحكومة تبدو في حالة تعبئة دائمة، تستثمر في الخوف لتعزيز تماسكها السياسي، فالهيجان الإسرائيلي الحالي لا ينفصل عن أزمات داخلية عميقة، حيث تتحول السياسات الأكثر تطرفًا إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإجماع الداخلي.

غير أن التاريخ القريب في المنطقة يشير إلى مفارقة متكررة: كلما حاولت القوة فرض الاستقرار عبر التصعيد، اتسعت دوائر عدم الاستقرار، لقوانين القمع قد تُخيف مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تنهي الصراعات التي تقوم أساسًا على قضايا وجودية وهوية وطنية.

هنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة، فحين يتحول القانون إلى أداة انتقام سياسي، وحين يُشرعن الموت، فإن المنطقة لا تقترب من نهاية الصراع، بل من مرحلة أكثر حدة وتعقيدًا.

قد يظن الاحتلال أن تشريع الإعدام يمنحه اليد العليا، لكنه في الواقع يفتح فصلًا جديدًا من الصراع، عنوانه أن القوة حين تتجاوز حدودها القانونية والأخلاقية، لا تُنهي المقاومة، بل تعيد تعريفها.

اخبار ذات صلة