قائمة الموقع

بين موتٍ سابق ومرضٍ ينتظر دوره… الطفل ياسر عرفات وأمه يقاتلان وحدهما

2026-04-01T13:53:00+03:00
الرسالة نت - خاص

في المستشفى تجلس، يعرفها الجميع؛ فهي ليست زائرة عابرة، بل كمن أقام في الوجع حتى صار عنوانه. 

إيمان أبو جامع تُمسك بيد ابنها ياسر، كأنها تخشى أن ينسحب من بين أصابعها كما انسحب أبوه وأخوه من قبل. عيناها معلّقتان على وجهه الصغير، تراقب كل حركة، كل نفس، كل إشارة قد تعني أنه ما زال يقاوم.
حولها أجهزة تُصدر أصواتًا باردة، وممرّضون يمرّون مسرعين، ووجوهٌ أنهكها الانتظار. لكنها لا ترى شيئًا من ذلك. 

عالمها انكمش في سريرٍ واحد، في جسدٍ نحيل لم يعد يقوى على حمل طفولته. ياسر الذي كان يمشي، صار عاجزًا عن الوقوف. ياسر الذي كان يضحك، صار صوته يخرج متعبًا، متقطعًا، كأن الضحكة نفسها تحتاج إلى علاج.
تحكي الأم للأطباء القصة ذاتها، مرارًا، وكأنها تبحث في التفاصيل عن خيط نجاة: المرض بدأ خفيًا، ثم أخذ يتضخم، يسحب من جسده قوته، ومن حياتهم استقرارهم. سوء تغذية حاد، نقص في الألبومين والبروتين، إسهال واستفراغ لا يتوقفان، حرارة تشتعل بلا سبب واضح، وانتفاخات في جسده الصغير تُثقل عليه حتى الجلوس.

الأطباء يهزون رؤوسهم بقلق. لا تشخيص حاسم حتى الآن، ولا خطة علاج واضحة داخل الإمكانيات المحدودة. كل ما يملكونه هو التحذير: الحالة تتدهور، والوقت ينفد. ياسر يحتاج إلى علاج متخصص خارج غزة، يحتاج إلى فرصة لم تتوفر لوالده ولا لشقيقه.
إيمان تعرف معنى هذه الكلمات. سمعتها من قبل، يوم كانت تمسك بيد ابنها موسى، ثم يوم كانت تودّع زوجها عبد المجيد عرفات؛ نفس الأعراض والألم؛ لذلك، لا تبكي بصوتٍ عالٍ. تبكي بصمتٍ ثقيل، بصمت أمّ تخاف أن يكون البكاء نفسه علامة استسلام.
تقترب من ابنها، تُعدّل الغطاء حوله، وتهمس له بشيءٍ لا يسمعه أحد. ربما وعدٌ بالحياة، ربما دعاء، وربما اعتذارٌ لأنها لا تملك إلا أن تبقى إلى جانبه، تحرسه من الغياب… ما استطاعت.

ومأساة ياسر جزء من أزمة صحية أوسع يعيشها آلاف المرضى في غزة. فوفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، هناك نحو 19 ألف مريض في القطاع بحاجة ماسة إلى الإجلاء الطبي لتلقي العلاج خارج غزة، من بينهم قرابة 4 آلاف طفل يعانون من أمراض خطيرة لا يمكن علاجها بالإمكانات المحلية.

ورغم هذه الحاجة الهائلة، يواجه المرضى مسارًا معقدًا وطويلًا للحصول على التحويلات الطبية، يبدأ بإجراءات طبية وإدارية متعددة، وينتهي غالبًا بانتظار موافقات للسفر قد لا تأتي في الوقت المناسب. 

كما تشير تقارير وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن أكثر من 20 ألف مريض يمتلكون بالفعل تحويلات طبية للعلاج خارج القطاع، لكنهم ما زالوا عالقين بانتظار السماح لهم بالمغادرة. 

وفي ظل القيود المستمرة، تراجعت أعداد التحويلات بشكل حاد في بعض الفترات، حيث انخفضت بنسبة وصلت إلى 80% مقارنة بمعدلات سابقة، ما جعل الوصول إلى العلاج مسألة حياة أو موت لكثير من المرضى. 

وبين هذه الأرقام، تضيع الحكايات الفردية: أسماء، ووجوه، وأمهات ينتظرن… كما تفعل إيمان اليوم، وهي تراقب ابنها ياسر، واحدًا من آلاف المرضى الذين يقفون على حافة الأمل.

اخبار ذات صلة