في زاوية ضيقة من قسم العناية المركزة بأحد مستشفيات قطاع غزة، تقف السيدة إيمان أبو جامع بصمت ثقيل إلى جوار سرير ابنها الصغير ياسر عرفات. تراقب أجهزة المراقبة الطبية التي تعلو أصواتها بين الحين والآخر، وكأنها تعدّ ما تبقى من نبضات الأمل في حياة طفل يواجه المصير ذاته الذي سبق أن خطف والده وشقيقه.
قبل أربعة أشهر فقط، ودّعت إيمان طفلها موسى بعد معاناة مع مرض غامض لم يتمكن الأطباء من تشخيصه بدقة بسبب نقص الفحوصات الطبية المتخصصة في القطاع.
ولم تمضِ أيام قليلة حتى عاد الحزن ليطرق بابها مجددًا، حين فقدت الأسبوع الماضي زوجها عبد المجيد عرفات، الذي كان يعاني الأعراض نفسها. واليوم، يقف ابنها الثالث ياسر على الحافة ذاتها.
تحمل الأم بيدها تحويلة طبية تشير إلى ضرورة علاجه خارج قطاع غزة، لكنها تعلم أن الورقة وحدها لا تنقذ حياة. فالدور لم يحن بعد، وقوائم الانتظار طويلة، بينما حالته الصحية تتدهور سريعًا.
تقول إيمان بصوت يختلط فيه الإنهاك بالألم:"زوجي وطفلاي يحملون الأعراض نفسها: انتفاخ في الجسم، وجفاف شديد، ونقص في البروتين. الأطباء يقولون إن هناك سببًا وراثيًا، لكن لا يمكن تشخيصه بسبب غياب الفحوصات اللازمة".
مرض غامض بلا تشخيص
يعاني ياسر من تدهور صحي حاد، إذ يعاني من سوء تغذية شديد، ونقص حاد في الألبومين والبروتين، إضافة إلى إسهال واستفراغ متواصلين وارتفاع دائم في درجة الحرارة. كما تظهر انتفاخات خطيرة في أنحاء مختلفة من جسده، خصوصًا في الأطراف السفلية، نتيجة اضطرابات في الامتصاص الغذائي.
وبحسب الأطباء المشرفين على حالته، فإن هذه الأعراض تشير إلى اضطراب مرضي معقد يحتاج إلى فحوصات تخصصية غير متوفرة في مستشفيات غزة، إضافة إلى علاج متقدم لا يمكن توفيره داخل القطاع.
ويحذر الأطباء من أن حالته تتدهور بشكل متسارع، مؤكدين أن إنقاذ حياته يتطلب تحويله العاجل إلى مستشفى خارج غزة قبل فوات الأوان.
قوائم انتظار قاتلة
قصة ياسر ليست حالة فردية، بل واحدة من مئات الحالات التي تنتظر الخروج للعلاج خارج القطاع في ظل القيود المفروضة على التحويلات الطبية.
فوفق ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، وافق الاحتلال على السماح بخروج 50 مريضًا يوميًا برفقة 100 مرافق للعلاج خارج غزة. لكن الواقع مختلف تمامًا؛ إذ لم يتجاوز التنفيذ الفعلي 10 إلى 11 مريضًا يوميًا فقط.
هذا التراجع الحاد في أعداد المرضى المسموح لهم بالسفر أدى، بحسب تقديرات طبية، إلى وفاة نحو 1200 مريض كانوا بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، بعدما عجز النظام الصحي المنهك عن توفير الرعاية المطلوبة لهم.
سباق مع الزمن
بالنسبة لإيمان، لا تبدو الأرقام مهمة بقدر ما يهمها اسم واحد فقط: ياسر.
تقف الأم إلى جوار سريره في العناية المركزة، تمسك بيده الصغيرة المنتفخة، وتناشد إنقاذه قبل أن يلقى المصير ذاته الذي واجهه والده وشقيقه.
تقول وهي تحاول كبح دموعها:"لا أريد أن أفقد ابني الثالث… أريد فقط فرصة لعلاجه".
في غزة، حيث تتحول التحويلات الطبية إلى أوراق تنتظر دورها في طوابير السياسة والحصار، يبقى ياسر واحدًا من أطفال كثيرين يخوضون سباقًا غير متكافئ مع الزمن؛ سباقًا قد تحسمه لحظة عبور إلى مستشفى خارج الحدود… أو تأخرها.