في مخيم النصيرات، حيث يكبر الأطفال أسرع مما ينبغي، كان يعيش الطفل الشهيد حسن عياد، ابن الأربعة عشر عامًا، بصوتٍ يسبق عمره، وبقلبٍ يحاول أن يصنع للحياة معنى وسط الركام.
لم يكن حسن مجرد طفل، بل كان حنجرةً صغيرة تصدح بما لا يستطيع الكبار قوله. عرفه الجميع من خلال أنشودته التي انتشرت على نطاق واسع قبل استشهاده بأشهر: "اشهد علينا يا عالم علينا… وهدموا بيوت"
أغنية خرجت من قلب الحصار، فحملت وجع غزة إلى العالم، وجعلت من حسن صوتًا لطفولةٍ محاصرة.
كان حسن وحيد والديه، وكان هذا التفصيل الصغير يختبئ خلف ضحكته.
كان يعود إلى أمه، ويقول لها ببساطة الأطفال: إنه يريد أخًا… يتمنى أن لا يبقى وحيدًا.
وفي يومٍ ثقيل من أيام الحرب، استُشهد حسن عياد في قصفٍ إسرائيلي استهدف مركبة مدنية في مخيم النصيرات، وذلك في عام 2025.
رحل حسن فجأة، كما يرحل كثير من أطفال غزة، دون وداعٍ كافٍ، ودون أن يحقق أمنيته الصغيرة.
لكن لأن غزة لا تموت…
ولأنها، رغم كل شيء، تنجب الحياة من قلب الفقد، أنجبت والدة حسن بالأمس طفلًا جديدًا، سمّته "حسن".
عاد الاسم،وعادت الحكاية؛ وكأن غزة تقول إن الموت لا يستطيع أن يطفئ كل شيء.
حسن الجديد لا يعرف بعدُ قصة أخيه، ولا يعرف أن اسمه يحمل ذاكرة صوتٍ كان يغني للحياة.
تقول والدته بعد الولادة:"كنت متعبة جدًا، كانوا يريدون أن يحملوا الطفل ليخرجوا به إلى والده في الخارج، لكني أصريت عليهم أن أحمله أنا، وأخرج به لأرى ملامح الفرح في عيني زوجي… وكان حسن قد عاد فعلًا إلى الحياة."
في تلك اللحظة، كان ها الطفل جوابًا صغيرًا على حزنٍ كبير، وامتدادًا لاسمٍ لم يغِب، وصوتٍ لم ينطفئ.هكذا تُكمل غزة حكاياتها؛ تفقد طفلًا، فتلد آخر، تُودّع صوتًا، فيعود صداه باسمٍ جديد. لأن غزة ولّادة…