لم يعد المشهد الصحي في قطاع غزة يُقرأ بوصفه أزمة طارئة يمكن احتواؤها بتدخلات محدودة أو مساعدات إسعافية مؤقتة، بل بات يعكس انهيارا كارثيا شاملا يطال أحد أكثر القطاعات حساسية في حياة السكان وهو القطاع الصحي.
فمع استمرار الحرب وتوسع دائرة الدمار وتزايد أعداد الشهداء والجرحى، أصبحت المستشفيات والمراكز الطبية في القطاع عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، في وقت تتآكل فيه القدرة العلاجية يوما بعد الآخر تحت ضغط الاستهداف المباشر ونقص الإمدادات وانعدام بيئة العمل الطبية الآمنة.
وتتجلى خطورة هذا الانهيار في كونه لا يقتصر على الجرحى والمصابين جراء القصف فقط، بل يمتد إلى المرضى المزمنين والأطفال والنساء ومرضى السرطان والكلى، وكل من يحتاج إلى رعاية تخصصية أو متابعة علاجية منتظمة.
وفي ظل توقف عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة أو عملها بطاقة جزئية ومتهالكة، باتت الرعاية الصحية في غزة أقرب إلى الاستجابة البدائية منها إلى الخدمة الطبية المنظمة، ما ينذر بانفجار صحي وإنساني واسع النطاق.
كارثة كبيرة
وتكشف المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة عن صورة صادمة لحجم الكارثة الصحية التي يعيشها القطاع وسط وما خلفته من ضغط غير مسبوق على المرافق الطبية.
ووفق أحدث الإحصاءات، بلغ عدد الشهداء منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نحو 72,208 شهداء، فيما وصل عدد الجرحى إلى 172,068 جريحا، من بينهم 21,524 طفلا، وهي أرقام لا تعكس فقط اتساع دائرة الاستهداف، بل تظهر كذلك حجم الانهيار الذي أصاب القدرة الصحية في غزة على الاستجابة لهذه الأعداد الضخمة من الضحايا.
هذا الواقع دفع وزارة الصحة إلى التحذير صراحة من أن القطاع الصحي دخل مرحلة الانهيار شبه الكامل وهي مرحلة لم تعد فيها الأزمة مرتبطة فقط بارتفاع أعداد الجرحى بل بالعجز الفعلي عن توفير الحد الأدنى من العلاج والخدمة الطبية.
فالمستشفيات تعمل في ظروف قاسية وسط اكتظاظ شديد ونقص حاد في الأسرة، وتعطل أقسام كاملة وشح في الوقود وتراجع كبير في القدرة التشغيلية إلى جانب تآكل المخزون الدوائي والمستلزمات الحيوية.
وتؤكد بيانات الوزارة أن نسبة النقص في الأرصدة الدوائية بلغت 50% بينما ارتفعت نسبة العجز في المستهلكات الطبية إلى 57% ووصلت إلى 71% في مواد الفحوصات المخبرية.
وهذه الأرقام لا تعني فقط تراجعا في المخزون بل تعني عمليا تعطل إمكانيات التشخيص والعلاج وحرمان الطواقم الطبية من أدوات العمل الأساسية التي تمكنها من إنقاذ الأرواح.
وتبرز خطورة هذا التراجع بشكل أوضح في الخدمات التخصصية، التي أصبحت من أكثر القطاعات الصحية هشاشة في غزة، فمرضى السرطان الذين يقدر عددهم بنحو 4100 مريض، يواجهون خطرا مضاعفا في ظل نقص الأدوية التخصصية بنسبة 61%، ما يعني عمليا انقطاع أو اضطراب بروتوكولات العلاج لآلاف المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة ومنتظمة.
كما تعاني أقسام الأعصاب والكلى والجراحة والرعاية الأولية والعناية المركزة من نقص يتجاوز 40% في الأدوية الأساسية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على فرص النجاة ويؤدي إلى تدهور متسارع في احالات الحرجة والمزمنة.
ومن أخطر مؤشرات الانهيار ما أعلنته وزارة الصحة بشأن التوقف الكامل لعمليات القلب المفتوح والقسطرة القلبية، نتيجة نفاد الإمكانات وانعدام المستلزمات اللازمة لإجراء هذه التدخلات المنقذة للحياة. كما سجلت مستلزمات جراحات العيون نسبة نقص بلغت 89%، وهو ما يعني تعطل عمليات دقيقة وضرورية لمرضى كثيرين، بينهم مصابون يحتاجون إلى تدخلات عاجلة بسبب إصابات مباشرة في العين أو الرأس.
تحذيرات أممية
وفي السياق نفسه، أكدت منظمة الصحة العالمية عدم السماح بإدخال أي أدوية أو مستلزمات طبية إلى القطاع، بينما أشارت وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن نقص الوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات الكهرباء يشكل تهديدا مباشرا لاستمرار عمل المستشفيات والمراكز الصحية.
وفي ظل اعتماد المنشآت الصحية في غزة على مولدات احتياطية، فإن أي خلل في الوقود أو الصيانة يعني توقف غرف العمليات وتعطل أجهزة العناية المركزة وحضانات الأطفال وأجهزة التنفس الاصطناعي وخدمات الأشعة والمختبرات.
ولا تقف تداعيات الانهيار عند حدود العلاج والجراحة فقط، بل تمتد إلى البيئة الصحية العامة التي أصبحت مهيأة لظهور أزمات جديدة.
فمع اتساع النزوح والاكتظاظ في مراكز الإيواء وتلوث المياه، وتراجع خدمات الصرف الصحي ترتفع مخاطر تفشي الأمراض المعدية بشكل خطير، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
كما أن النقص الغذائي الحاد يفتح الباب أمام سوء التغذية، بما يحمله من مضاعفات صحية طويلة الأمد، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التدهور النفسي بين السكان نتيجة الصدمة والخوف والفقدان والعيش المستمر تحت القصف والتهجير وانعدام الأمان.
ولعل إن إنقاذ ما تبقى من هذا القطاع يتطلب تدخلا دوليا عاجلا وفوريا، لا يقتصر على بيانات القلق والتحذير بل يشمل الضغط من أجل إدخال الإمدادات الطبية والوقود وفتح ممرات آمنة للمرضى والجرحى والسماح بعمل الطواقم الطبية المحلية والدولية وإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز المتضررة.