يشهد قطاع غزة تحولات عميقة في منظومة النقل والمواصلات في أعقاب التدمير الواسع للبنية التحتية خلال الحرب المستمرة، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لقطاع النقل الرسمي، وظهور أنماط بديلة وغير رسمية أعادت تنظيم حركة السكان والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
ووفق دراسة تحليلية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، فإن تدمير الطرق والمركبات وشبكات الحركة، إلى جانب النقص الحاد في الوقود، تسبب في شلل واسع لوسائل النقل التقليدية، حيث تراجعت القدرة التشغيلية بشكل غير مسبوق، وأصبحت الحركة اليومية مرتبطة بمستويات عالية من المشقة والتكلفة والمخاطر.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الانهيار لم يُنتج توقفًا للحياة، بل أفرز "اقتصاد حركة" بديل يقوم على وسائل نقل غير رسمية، مثل العربات اليدوية والمجرورة، والدراجات الهوائية، وعربات تجرها الحيوانات، والتوك توك، إضافة إلى النقل الجماعي غير المنظم عبر الشاحنات والمركبات المتاحة.
وتوضح النتائج أن هذه التحولات لم تقتصر على الجانب الخدمي، بل أعادت تشكيل البنية الاقتصادية داخل المجتمع، من خلال نشوء مهن جديدة مرتبطة بالنقل البديل، وارتفاع كبير في كلفة التنقل، ما أدى إلى زيادة الأعباء المعيشية على الأسر، وتوسيع فجوات الوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما تكشف الدراسة أن النقل بات مرتبطًا بشكل مباشر بتوزيع الغذاء والمساعدات الإنسانية، حيث أصبح الوصول إلى الاحتياجات الأساسية مرهونًا بقدرة الأفراد على تحمل تكاليف الحركة، في ظل أزمة سيولة حادة وارتفاع كبير في أسعار النقل.
وتخلص الدراسة إلى أن ما نشأ في غزة يمثل نموذجًا حضريًا بديلًا يقوم على التكيف القسري والابتكار المجتمعي في ظروف الانهيار، إلا أنه يظل نموذجًا هشًا يعكس عمق الأزمة وغياب البنية التحتية القادرة على ضمان حركة آمنة وعادلة للسكان.
ويؤكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن هذه التحولات تستدعي تدخلًا عاجلًا لإعادة تنظيم قطاع النقل ضمن رؤية إعمار شاملة، تضمن استعادة الحق في الحركة كجزء أساسي من التعافي الإنساني والاقتصادي في قطاع غزة.