منذ مطلع عام 2025، وطلاب القدس يخسرون مقاعدهم الدراسية كنتيجة طبيعية لمسار متدرج من الإجراءات التي تراكمت لتُنتج واحدة من أخطر الأزمات التعليمية التي تواجه الفلسطينيين في المدينة.
فقد بدأت التحولات بشكل واضح مع دخول قرارات استهداف مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حيّز التنفيذ في يناير 2025، حيث أُغلقت ما بين 6 إلى 7 مدارس، ما أدى إلى حرمان ما بين 800 و1100 طالب من مقاعدهم الدراسية بشكل فوري.
هذا الإغلاق لم يكن مؤقتًا، بل امتد أثره إلى العام الدراسي اللاحق، مع بقاء بعض المدارس خارج الخدمة، وغياب بدائل حقيقية قادرة على استيعاب الطلبة.
بالتوازي مع ذلك، تعرّضت العملية التعليمية لضربة أخرى تمثلت في استهداف الكادر التعليمي، إذ فرضت قيود مشددة على دخول المعلمين القادمين من الضفة الغربية، وهم يشكلون نحو 30% من إجمالي المعلمين في مدارس القدس.
هذا النقص الحاد انعكس سريعًا على انتظام الدراسة، حيث اضطرت عشرات المدارس في يناير 2026 إلى تعليق التعليم أو تقليصه، ما أثر بشكل مباشر على نحو 20 ألف طالب وطالبة، وجدوا أنفسهم دون حصص منتظمة أو بيئة تعليمية مستقرة.
في السياق ذاته، تتفاقم أزمة البنية التحتية التعليمية في القدس، وهي أزمة مزمنة تعمّقت خلال العامين الأخيرين، إذ تعاني المدينة من عجز يتجاوز 3700 غرفة صفية، ما يؤدي إلى اكتظاظ شديد داخل الصفوف، أو اضطرار الطلبة للبحث عن مدارس بعيدة. وفي ظل هذا العجز، تواجه 84 مدرسة خطر الهدم أو الإغلاق، وهي مدارس تخدم أكثر من 12 ألف طالب، ما يضع آلاف الأسر أمام احتمال فقدان أبنائها لمقاعدهم الدراسية في أي لحظة.
ولا تقف الأزمة عند حدود الإغلاق أو النقص، بل تمتد إلى طبيعة التعليم نفسه، مع تصاعد سياسة فرض المنهاج الإسرائيلي، حيث تشير المعطيات إلى أن نحو 27% من الطلبة الفلسطينيين في القدس باتوا يدرسون وفق هذا المنهاج، في ظل ربط التمويل والتراخيص المدرسية باعتماده.
هذا الواقع يضع الطلبة أمام خيار قاسٍ بين القبول بتغيير المنهاج وما يحمله من تبعات على الهوية التعليمية، أو فقدان فرصة التعليم كليًا.
إلى جانب ذلك، تتواصل الضغوط عبر مشاريع قوانين وإجراءات تستهدف المنظومة التعليمية، بما في ذلك تقييد توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية، والتلويح بسحب التمويل من المدارس التي لا تلتزم بالشروط المفروضة، ما يهدد بإغلاق مزيد من المؤسسات التعليمية في المستقبل القريب.
كما ساهمت الأزمة المالية العامة، المرتبطة باحتجاز أموال السلطة الفلسطينية، في إضعاف قدرة القطاع التعليمي على الصمود، من خلال التأثير على الرواتب والخدمات، رغم أن مدارس القدس لم تشهد تأجيلًا رسميًا للعام الدراسي كما حدث في مناطق أخرى، إلا أن انعكاسات الأزمة كانت واضحة على جودة واستمرارية التعليم.
في المحصلة، تكشف هذه العوامل المتراكمة عن واقع تعليمي هش، انعكس بوضوح في ارتفاع معدلات التسرب، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 32% من الطلبة الفلسطينيين في القدس يتركون التعليم قبل سن 16 عامًا. وهو رقم يعكس حجم الخسارة الفعلية للمقاعد الدراسية، ليس فقط نتيجة الإغلاق المباشر، بل أيضًا بسبب بيئة تعليمية ضاغطة وطاردة.
بهذا المعنى، فإن ما جرى منذ يناير 2025 لا يمكن قراءته كأحداث متفرقة، بل كعملية متكاملة أعادت تشكيل المشهد التعليمي في القدس، حيث بات المقعد الدراسي مهددًا، مؤقتًا، وخاضعًا لشروط متغيرة، بدل أن يكون حقًا ثابتًا ومكفولًا لكل طفل.