لم تعد الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة حالة طارئة يمكن احتواؤها بأدوات تقليدية، بل تحولت إلى واقع هيكلي يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع معا.
فمع استمرار الحرب وتراكم آثار الحصار والانكماش الحاد، لم يعد الحديث يدور حول فرص النمو، بل حول القدرة على البقاء.
هذا التحول دفع الاقتصاد المحلي إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"اقتصاد البقاء"، حيث تدار الموارد المحدودة لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط، في ظل غياب شبه كامل لأي أفق تنموي حقيقي.
في هذا السياق، تراجعت أدوار الاستثمار والإنتاج لصالح أنشطة مرتبطة بالحاجات اليومية، مثل المساعدات الإنسانية والأسواق غير المنظمة، ولم يعد التدهور مقتصرا على مؤشرات الاقتصاد الكلي بل امتد ليطال البنية الاجتماعية حيث تآكلت الطبقة الوسطى وتراجعت قدرة الأسر على الادخار وأُعيد تعريف مفاهيم العمل والدخل والاستهلاك، الاقتصاد هنا لم يعد يسعى إلى تحسين مستوى المعيشة بل إلى تجنب الانهيار الكامل.
ولعل الأرقام تعكس عمق هذا التحول بشكل صارخ، فبحسب تقديرات دولية، يعاني ما بين 77% و96% من سكان غزة من مستويات مرتفعة أو حادة من انعدام الأمن الغذائي، وهو مؤشر غير مسبوق على هشاشة الوضع المعيشي.
وفي سوق العمل، قفزت البطالة من نحو 45% قبل الحرب إلى أكثر من 80%، ما يعكس انهيارا واسعا في فرص التشغيل وتراجعا حادا في النشاط الإنتاجي، خصوصا في قطاعات الزراعة والصناعات الخفيفة.
فخ الإغاثة
هذا الواقع أدى إلى تضخم دور المساعدات الإنسانية كعمود أساسي لاستمرار الحياة، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكالية عميقة تتعلق بما يمكن تسميته "فخ الإغاثة".
فاستمرار التدخلات الإنسانية بصيغتها الحالية، رغم ضرورتها، قد يكرس نمطا اقتصاديًا يعتمد على الاستهلاك الطارئ دون أن يخلق دورة إنتاجية مستدامة.
ومع توسع السوق السوداء وغياب الرقابة، تتزايد مظاهر الاختلال في بنية السوق، ما يعمّق من هشاشة الاقتصاد ويضعف فرص التعافي مستقبلا.
إن أخطر ما في المشهد ليس فقط حجم التدهور بل طبيعة التحول نفسه. فغزة لا تمر بأزمة اقتصادية عابرة، بل تعيش انتقالا قسريا من اقتصاد يسعى إلى النمو إلى اقتصاد يكتفي بإدارة البقاء.
وبينما تتآكل الموارد وتستنزف المساعدات يصبح التحدي الحقيقي هو كسر هذه الحلقة، عبر ربط التدخلات الإغاثية بمسار تنموي يعيد بناء القدرة الإنتاجية ويمنح السكان فرصة حقيقية للخروج من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد الحياة.