في سلوان، جنوب المسجد الأقصى مباشرة، حيث تتلاصق البيوت كأنها تتكئ على بعضها لتصمد، كان صوت المطرقة هذه المرة مختلفًا. لم يكن صوت ترميم، بل صوت هدم… هدم بيت بأيدي أصحابه.
وقف أطفال عائلة أبو رجب يحملون مطارق أكبر من أعمارهم، يضربون الجدران التي شهدت ضحكاتهم، ويكسرون السقف الذي كان يحمي أحلامهم. مع كل ضربة، كانت تتسع فجوة في البيت، حتى صارت فتحة كبيرة تُطل على الحي بأكمله؛ على عشرات البيوت التي قد تلقى المصير ذاته.
الحكاية بدأت بقرار: “هدم ذاتي”، الخيار القاسي الذي تفرضه سلطات الاحتلال على العائلات الفلسطينية. إما أن تهدم بيتك بيدك، أو تتحمل تكاليف هدم قد تصل إلى عشرات آلاف الشواكل.
يقول الحاج محمد أبو رجب، صاحب المنزل، بصوت متعب: “أنا بنيت هذا البيت عام 2016، بعد ما هدموا بيتي الأول في وادي ياصول، وهو حي يقع في الجهة الجنوبية من سلوان، ملاصقًا لجبل المكبر ومطلاً على البلدة القديمة. جئت أنا وزوجتي لنبدأ من جديد… لكنهم هدموه مرة ثانية في 2020، بنفس الحجة: البناء بدون ترخيص.”
يصمت قليلًا، ينظر إلى الركام، ثم يُكمل: “اليوم أنا مضطر أهدمه بيدي. لو هم هدموه، بدهم يفرضوا عليّ أكثر من 100 ألف شيكل. دفعت قبل هيك غرامات: مرة 40 ألف، ومرة 25 ألف… حياتنا صارت جحيم.”
في لحظة صمت ثقيلة، يدخل حفيده من المدرسة. يتوقف عند الباب، يحدق في الجدران المكسورة، في السقف المفتوح، في الغرفة التي كانت سريره فيها. لا يفهم ما يحدث، ثم تنفجر دموعه.
يقول الجد وهو يراقبه: “الأولاد كانوا يجوا عندي دايمًا، يناموا هون، يلعبوا هون… حفيدي انصدم لما شاف إخوته الكبار بيكسروا الجدران… وبكى.”
ليست قصة أبو رجب فقط .. فمنذ بداية العام، تصاعدت عمليات الهدم في الحي، ضمن سياسة تستهدف الوجود الفلسطيني في المنطقة، مقابل دفع مشاريع استيطانية تتوسع على حسابه.
في قلب هذه المشاريع، تبرز خطة ما يُعرف بـ“مدينة داود” الأثرية، التي تديرها جمعيات استيطانية مثل إلعاد، والتي تسعى لتحويل أجزاء واسعة من سلوان إلى حدائق توراتية ومواقع سياحية ذات طابع استيطاني.
كما تشمل المخططات إنشاء “الحديقة الوطنية” حول أسوار البلدة القديمة، وربطها بمسارات سياحية وأنفاق تمتد أسفل الأحياء الفلسطينية، إضافة إلى مشاريع تهدف إلى تهجير السكان لصالح بؤر استيطانية جديدة.
وفي عام 2025، هُدم في القدس 367 منزلًا، كأن المدينة كانت تفقد كل يوم جزءًا من ذاكرتها. ومع بداية عام 2026، لم يتباطأ المشهد، بل تسارع؛ أكثر من 147 منزلًا سقطت خلال الأشهر الأولى فقط، وكأن الهدم صار إيقاعًا يوميًا للحياة.
أما في سلوان، فالصورة أكثر كثافة. في حي البستان وحده، هُدم نحو 35 منزلًا حتى أوائل العام، فيما لا تزال الإخطارات تتوالى، ويستمر الهدم الذاتي كخيار قاسٍ تُدفع إليه العائلات دفعًا.
في هذا السياق، تصبح البيوت الفلسطينية عقبة يجب إزالتها، وأصحابها مجبرين على المشاركة في هدمها، كجزء من معادلة قاسية: إمّا أن تهدم بيتك، أو تُعاقَب أكثر.
تتسع الفتحة في بيت أبو رجب، وتدخل الشمس إلى غرف لم تعد غرفًا. يختلط الضوء بالغبار، وتتحول الذكريات إلى مشاهد مكشوفة أمام السماء.