قائمة الموقع

جهاد أبو شمالة: حين استُشهدت أمي تحوّلت من ناقلٍ للخبر إلى خبرٍ يُروى

2026-04-18T15:50:00+03:00
الرسالة نت- خاص

لم يكن جهاد أبو شمالة يتوقع أن تكون تلك اللحظة هي الفاصل الحاد بين مهنتين: أن تكون ناقلًا للخبر… أو أن تصبح أنت الخبر ذاته.

في خيمة الصحافيين داخل مستشفى شهداء الأقصى، كان يجلس خلف الكاميرا، يراجع ما التقطه من صور، يحاول أن يلحق بتفاصيل يومٍ آخر مثقل بالدم. الصوت في الخارج كان مألوفًا؛ قصف، صراخ، سيارات إسعاف، وكل ذلك صار جزءًا من يوميات لا تحتاج إلى تفسير.

فجأة، انفتح باب الخيمة ودخل شقيقه.

لم يقل شيئًا في البداية. وجهه كان كافيًا ليحمل الخبر كله. شاحب، مرتبك، وكأن الكلمات ثقيلة في حلقه لكنه قال فقط: “تعال بسرعة…”

في تلك اللحظة، أدرك جهاد أن هناك فقدًا ما. لكن العقل، حين يحاول أن يحمي نفسه، يختار أسوأ الاحتمالات… ويستبعدها في الوقت نفسه.

لم يتوقع أن تكون الأم.

“أمي استشهدت.” جملة قصيرة. بلا مقدمات. بلا تفاصيل. لكنها كانت كفيلة بأن تُسقط كل شيء.

خرج جهاد مسرعًا، لا يرى الطريق جيدًا، كأن المسافة بينه وبينها أطول من الحرب نفسها. وعندما وصل، بدأت الحكاية تُروى له من جديد، ولكن هذه المرة… ببطءٍ موجع.

كانت أمه تجلس في خيمة بعيدة عن موقع الحدث. لم تكن في دائرة الخطر المباشر، كما قيل لهم. كانت لحظة هدوء عابرة، أو هكذا ظنوا.

اقترب منها شقيقه، وقال: “يمّا، هذا إطلاق نار… تعالي نختبئ.”

ابتسمت. بهدوء أم تعرف كيف تُطمئن أبناءها حتى في قلب الخوف.

قالت: “لا… هذه زقزقة عصافير.”

في غزة، حتى الرصاص يمكن أن يُخطئ تعريفه… فقط لأن القلوب لم تعد تحتمل المزيد من الحقيقة.

لم تمضِ لحظات؛ ومانت رصاصة واحدة؛ جاءت مباشرة إلى رأسها لينتهى كل شيء.

يقف جهاد أمام جسد أمه، ولا يعرف إن كان عليه أن يبكي كابن، أم أن يوثق كصحفي. تلك اللحظة التي كان يلاحق فيها الأخبار، وجد نفسه داخلها. لم يعد خلف الكاميرا… بل في قلب المشهد.

يقول لاحقًا: “لم تكن أمي امرأة عادية.”

كانت تعرف خطورة عمله، لكنها لم تطلب منه يومًا أن يتوقف. كانت تشجعه، تدفعه لأن ينقل الصورة، لأن يكون شاهدًا، لأن لا يترك الحكاية تُروى بصوت واحد فقط.

كلما عاد بدرعه الصحفي ممزقًا، كانت تجلس بهدوء، تخيطه له؛ ترقّع القماش… كأنها تحاول أن ترقّع الخطر نفسه.

كانت تفعل ذلك وهي تعلم أن الدرع لا يحمي دائمًا؛ لكنها كانت تؤمن بشيء آخر: أن الحقيقة تستحق المحاولة.

بفقدها، فهم جهاد ما لم يكن يُدرّس في أي كلية إعلام: أن الصحفي في هذه الأرض لا يقف على هامش الحدث؛ بل يسير دائمًا على حافته.

وأن اللحظة التي تحمل فيها الكاميرا لتوثّق الألم… قد تكون هي نفسها اللحظة التي تُكتب فيها قصتك أنت.

اخبار ذات صلة