تعكس حركة الشاحنات الواردة إلى قطاع غزة مؤشرا اقتصاديا بالغ الدلالة، يتجاوز كونه رقما لوجستيا ليصبح مرآة مباشرة لحالة الاقتصاد وقدرته على الاستمرار.
ففي شهر مارس الماضي، سجل القطاع تراجعا حادا بنسبة 38.9% في عدد الشاحنات التجارية والإغاثية مقارنة بشهر فبراير، وهو انخفاض لا يمكن قراءته إلا ضمن سياق اختلال عميق بين العرض المتاح وحجم الطلب الفعلي.
فعليا، بلغ متوسط عدد الشاحنات اليومية نحو 135 شاحنة فقط، أي ما يعادل 22.5% من الكمية المفترض إدخالها وفق البروتوكول الإنساني، الذي ينص على 600 شاحنة يوميا، بينها 50 شاحنة وقود.
هذه الفجوة الرقمية تعني أن السوق يعمل بأقل من ربع طاقته المفترضة، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن الاحتياجات الفعلية تتجاوز حتى هذه الأرقام.
ولا يقتصر التراجع على السلع فقط، بل يمتد إلى المحروقات التي انخفضت بنسبة 1.9%، لتشكل 17.1% فقط من الكميات المطلوبة، ما يضيف ضغوطا مباشرة على قطاعات حيوية مثل الكهرباء والصحة والنقل.
هذا النقص في المدخلات الأساسية ينعكس تلقائيا على مجمل النشاط الاقتصادي، حيث تتعطل سلاسل التوريد وتتقلص قدرة السوق على تلبية الاحتياجات اليومية.
وتزداد خطورة هذا المشهد عند ربطه بالمؤشرات الاجتماعية، إذ يعتمد نحو 95% من السكان على المساعدات الإنسانية، بينما تتجاوز البطالة 80% والفقر 90%.
وفي ظل هذه الأرقام، فإن أي انخفاض في تدفق السلع لا يُترجم فقط إلى نقص في الأسواق، بل إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والمعيشي.
كما أدى تراجع الإمدادات إلى اضطراب واضح في السوق، تمثل في نقص بعض السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب.
ومع محدودية الدخل لدى غالبية الأسر، تصبح هذه الزيادات السعرية عاملا إضافيا في تعميق الأزمة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن اقتصاد غزة لم يعد يتأثر فقط بعوامل داخلية، بل بات رهينة مباشرة لتدفقات الإمدادات. ومع استمرار هذا التراجع يتعزز نمط "اقتصاد البقاء"، حيث يصبح الهدف الأساسي ليس النمو، بل إدارة النقص وضمان الحد الأدنى من الاستهلاك، في بيئة تزداد هشاشتها يوما بعد الآخر.