الضفة المحتلة-الرسالة نت
لم يعد بوسع أي فلسطيني في الضفة المحتلة أن يخفي غضبه وحنقه الكبيرين اللذين خلفتهما أزمة الرواتب الأخيرة حين ترجل سلام فياض رئيس حكومة رام الله وأعلن عن صرف نصف مستحقات الموظفين بسبب أزمة مالية حادة، وكأن الرجل يتناسى شعبه الذي لا تغيب عن أنظاره مشاريع التطوير والإعمار في قلب المدن الفلسطينية والتي تعود بمجملها لأذرع فياض ومؤسساته ورجالاته، كما لا تغيب عن الشعب المسكين الأصوات الرنانة التي تنادي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وهو لا يجد في جيبه ثمنا لأرغفة خبز في نهاية كل شهر.
وربما ظن فياض أنه وبسيطرته أو بعربدته الأمنية في الضفة المحتلة استطاع أن يفعل ما يشاء، فأعلن عن أزمة مالية تعيشها حكومته التي أثخنت باتهامات الفساد والسرقات، وظن أيضا أن الفلسطيني لا يفهم توقيت الأزمة المالية الحادة كلما اقترب الحديث عن تشكيل حكومة لا يرأسها ذاك الرجل.
وين الراتب؟
وليس بعيدا عن أذهان الفلسطينيين الذين عاشوا أزمة رواتب مماثلة في ظل تشكيل أول حكومة مقاومة فلسطينية، نفسها التي لم ترق لأصدقاء المحتل من أبناء الوطن الواحد، فجمّعوا أصواتهم النشاز وهتفوا بصوت يلامس أسماع المحتل ويهدئ قلبه "حكومتنا الرشيدة خلتنا على الحديدة .. وين الراتب.. فش فش"، أما الآن فتراهم ينغمسون بالوظائف الرفيعة في الوزارات والمؤسسات الحكومية بنصف راتب وعصا فوق رقابهم تمنعهم حتى من التذمر من الواقع الذي يعيد نفسه.
بل إنه ليس واقعا يعيد نفسه أبداً، فتلك الحكومة الرشيدة المقاومة الثابتة حُرمت من أموالها المشروعة لأنها لم تعترف بالمحتل "الإسرائيلي" ولم تعطه "ريقاً جميلاً" كما اعتاد من حكومات الفلسطينيين، أما الآن فاعتراف بالمحتل وذل و"استيطان" وكرامة معدومة وعزة تتلاشى.. ولا رواتب.
وحول هذا الأمر أحببنا أن نسأل المواطنين الذين يعانون من أجندات سياسية عوجاء، فقال لنا أحدهم ويدعى أحمد فرج من مدينة رام الله:" نحن لا ندري لماذا نكون أول من يدفع الثمن؟ نحن موظفون أساس حياتنا الرواتب، فكيف يمنعونها عنا وهي حقنا وعلينا التزامات كبيرة؟ وهل يظنون أننا لا نفهم توقيت أزمة الرواتب المفتعلة كل بضعة أشهر؟".
أما زميله حسين العاصي فيضيف لـ"الرسالة نت" :"أنا مواطن عادي أعيش في ما يقال عنها دولة مأمولة، لا أجد قوت يومي وفوق رأسي قروض عديدة، ولا أفهم لماذا تمنع الرواتب في ظل اعتراف السلطة بـ"إسرائيل" إذا أراد فياض أن ينفذ أجندات خاصة فلينفذها بعيدا عن حقوقنا".
من جهته يقول عميد كلية الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية نافذ أبو بكر لـ"الرسالة نت" إن الجميع بات يدرك أن السلطة في الضفة تعاني مؤخرا من أزمة حادة وعميقة ترتبت عليها أزمة رواتب أثرت على مناحي الحياة، وترتب عنها عدم قدرة السلطة دفع المستحقات التي عليها والديون والالتزامات للمقاولين والموردين للسلع والخدمات لها, الأمر الذي أدى إلى تأثر اليد العاملة، مضيفا بأن السلطة الفلسطينية لم تعد قادرة على دفع المخصصات لأسر الشهداء والجرحى والأسرى أو حتى المعونات الاجتماعية مما أدى إلى حالة ركود اقتصادي كبير.
وأوضح أبو بكر أن حجم الإنفاق انخفض بشكل كبير أثر على الأسر الفقيرة والناس بشكل عام، مبينا أن كل هذا يتم في ظل ظروف سياسية صعبة مثل تعطل المصالحة والتحضير لما يسمى استحقاق أيلول.
وأضاف:" المواطن الفلسطيني أصلا وبدون أزمة يعاني من مشاكل وأوضاع اقتصادية سيئة وانعدام العدالة في معيشته، ويجب التنويه إلى أن السلطة هي المحرك الأساسي للاقتصاد الفلسطيني وأن القطاع الخاص وخاصة كبير الحجم ليس شريكا أصيلا في هذه العملية".
أصل المشكلة
واعتبر أبو بكر أن أساس المشكلة يعود بسبب السياسة المالية غير الصحية للسلطة، فالموارد المالية لها غير مستدامة حيث إن اعتمادها على معونات الدول المانحة يتجاوز 80% ، واعتمادها على تحويلات الفلسطينيين ومستحقاتهم الضريبية التي تسيطر عليها "إسرائيل".
وأكد عميد كلية الاقتصاد بأن الموارد المالية للسلطة بمجملها مسيطر عليها من الاحتلال والدول المانحة وعرضة للابتزاز السياسي، مبينا بأن معدل دخل الفرد الفلسطيني يقارب 1600 دولار سنويا في الوقت الذي يعيش فيه "الإسرائيلي" بمعدل دخل أكبر بـ 18 ضعفا أي ما يعادل 30 ألف دولار في الوقت الذي يشتري فيه المحروقات والسلع الأساسية بنفس الأسعار التي يشتري فيها المواطن الفلسطيني، كما أن 55% من الأراضي الزراعية تمت السيطرة عليها بسبب "الاستيطان" والجدار العنصري, وأكثر من 50% من المواطنين تحت خط الفقر.
وتابع أبو بكر :"ما يعقد المأساة أنه يوجد أزمة رواتب وأعباء مالية وحجم من القروض البنكية الاستهلاكية بشكل مخيف وأزمة أسعار عالمية وخاصة التي تخضع للبورصات، وحلول شهر رمضان, وعيد الفطر، كما أنه في هذه الأوقات يعيش الفلسطينيون تسجيل الطلبة في الجامعات علما أن مليون طالب فلسطيني يتهيأون لبدء العام الدراسي الجديد".
أما عن الحلول المقترحة لحل هذه الأزمة, فاعتبر أبو بكر أن وزارة الاقتصاد والجهات المعنية لا تأتي بحلول جذرية بل بحلول روتينية التي لا تنفع ولا تؤتي ثمارها وتعود على المواطنين بمأساة كبيرة".
وأكد أبو بكر أن الحلول تكمن في حلول إبداعية فيها تغييرات جذرية بمعنى البدء بالعمل على وضع خطة وطنية اقتصادية شاملة وسياسات مالية فلسطينية من شأنها أن تدعم المواطن وأن تركز على استدامة الموارد المالية للسلطة، موضحا أنه من الضروري القيام بحملة تخفيض أسعار للسلع الوطنية ودعمها أو تخفيض الضرائب عنها، إضافة إلى تخفيض أسعار المحروقات التي تخضع للمعايير "الإسرائيلية".
وأضاف بأنه من الواجب أيضا إيجاد حلول في مجال القطاع الخاص الفلسطيني والذي يجب أن يكون ليس بحجمه المالي وإنما بقيمة ما يشارك فيها بعملية التنمية الاقتصادية والقيمة المضافة وما يضيفه للاقتصاد الوطني، علاوة على دعم المنتج الفلسطيني وجعل الحصة الأساس في السوق له وأن يكون له البعد التنافسي وبعد الجودة.