الحصار حطم الاستثمار وتسبب في إنعاشه !!

في غزة.. رأس المال ليس جبانا

صورة افتتاح مول الاندلسية
صورة افتتاح مول الاندلسية


غزة - فادي الحسني
لا يمكن لاثنين من المواطنين أن يتحدثا في الاقتصاد إلا وكانت نظرية الانتعاش الاستثماري ثالثهما، وبخاصة أنه لا يمكن تجاهل الطفرة الحقيقية التي يشهدها قطاع غزة على صعيد الاستثمار بشتى قطاعاته: السياحية والإسكانية والزراعية.
ومن الواضح تركز اهتمام المستثمرين المحليين في الآونة الأخيرة على إنشاء مشاريع سياحية وأخرى تجارية في غزة، ولكن السؤال: كيف لرأس المال أن يجازف في قطاع يعيش حالة اضطراب دائم؟، وهل الاستثمار في غزة يساعد في تحريك النشاط الاقتصادي الراكد؟، ومن يضمن عدم استغلال الاستثمار لحاجة الناس للترفيه من أجل تحقيق عوائد مالية طائلة؟.

فندق وفقر !!
وقد وقع المواطنون الصيف الحالي في حيرة من أمرهم حينما قرروا الاستجمام في أحد المنتجعات السياحية لتعددها في غزة.. حتى عندما قرروا التسوق أيضا كانت خياراتهم متعددة لأن عدة "مولات" تجارية بالإمكان طرق أبوابها لتوفير اللوازم البيتية.. ابتداءً بالمأكل مرورا بالملبس وليس انتهاءً بالهواتف النقالة والحواسيب.
واتجهت عدة شركات فلسطينية للاستثمار في القطاع السياحي، مستغلة بذلك صيف 2011 لإنشاء عدد من المرافق السياحية كان منها إنشاء "فندق المشتل" الذي تشغله "شركة فلسطين للاستثمار العقاري" (بريكو) رغم أن الشرفات الجنوبية للفندق تطل على مخيم الشاطئ للاجئين، وهو أحد أفقر التجمعات السكانية في العالم.
ورغم أن الاستثمار في شريط ساحلي ضيق ومكتظ بالسكان مثل قطاع غزة الذي تحاصره (إسرائيل) منذ خمس سنوات يُعد مخاطرة كبيرة غير أن رئيس مجلس إدارة شركة (بريكو) المهندس نبيل الصرّاف وصف بدء تشغيل الفندق في ظل هذه الظروف، "وعقب سنوات من التراجع الكبير الذي حل بمختلف الأنشطة الاستثمارية خصوصا المتعلقة منها بالقطاع السياحي"، بأنه إنجاز كبير.
ورأى الصرّاف أن تشغيل فندق "المشتل" المملوك لـ"شركة المشتل للاستثمار" -إحدى شركات (بريكو)- يعكس مدى إصرار الشركة على مواصلة نشاطها الاستثماري رغم المخاطر المحيطة بالاستثمار في ظل الحصار المفروض وغياب الحركة السياحية النشطة.
وكشف في تصريحات صحفية أن الفندق قدم عروضا خاصة تصل نسبة الحسم فيها إلى 50% على الغرف الفندقية لنزلاء الفندق ورواده، مشيرا إلى أن هذه العروض تأتي في إطار حملة ترويجية تقوم بها الشركة للنهوض بالقطاع السياحي في القطاع، "ولمناسبة بدء تشغيل أكبر مشروع سياحي في فلسطين"، على حد وصفه.
كما كشف عن أن شركته شارفت على الانتهاء من تجهيز 175 "شاليها" سياحيا تابعا لها؛ "تمهيدا لتشغيل نحو 50 منها في المرحلة الأولى من مشروع تبلغ كلفته نحو 15 مليون دولار".
وفي سياق متصل أعلن الصرّاف عزم شركة (بريكو) تنفيذ سلسلة من المشاريع الاسكانية، "من بينها بناء خمسة أبراج سكنية في شمال القطاع بكلفة 25 مليون دولار". ولفت إلى أن شركته ستشرع قريبا في تنفيذ مشروعات مختلفة، "بينها مشروع لتحلية المياه، وآخر لتدوير النفايات الصلبة بعدما تم الانتهاء أخيرا من إعداد الدراسات اللازمة لها".
وينص قانون تشجيع الاستثمار في فلسطين لسنة 1998 في مدته الثالثة على جواز الاستثمار في المشاريع في أي من قطاعات الاقتصاد الفلسطيني، "ما لم يكن محظورا بقوانين خاصة"، فيما نصت المادة الرابعة على تمتع المشاريع بالإعفاءات والمزايا المنصوص عليها في أحكام هذا القانون، وينطبق على ذلك جميع مجالات الاستثمار باستثناء القطاعات والمجالات التي تحتاج إلى موافقة مسبقة من مجلس الوزراء قبل المباشرة بها كتصنيع السلاح والذخيرة وتوزيعهما، والصناعات الجوية، وإنتاج الكهرباء، وتصنيع البترول، وتكرير النفايات الصلبة، والاتصالات السلكية واللاسلكية.
وجاء قانون الاستثمار لتأسيس بيئة استثمارية قوية ومتينة تهدف بالدرجة الأولى إلى تشجيع المستثمرين المحليين والأجانب على الاستثمار في فلسطين.

يحتاج لتطوير
وشهدت غزة إنشاء عدد من المنتجعات والقرى و"الشاليهات" السياحية بيد أن وزارة السياحة بغزة ما تزال تنظر إلى حجم الاستثمار في هذا القطاع على أنه غير كاف وبحاجة إلى تطوير مقارنة بما كان عليه واقع الاستثمار قبل فرض الحصار على غزة.
وقد تنطبق مقولة (مصائب قوم عند قوم فوائدُ) على الاستثمار في القطاع السياحي، وبخاصة إذا ما تبين أن الحصار هو السبب الرئيس وراء الانتعاش الذي تشهده السياحة حاليا.
ويؤكد د. محمد خلة -المدير العام للسياحة في القطاع- أن الحصار ساهم في توجه أصحاب رؤوس الأموال لإقامة مشاريع سياحية "كالمنتجعات"؛ "من أجل تلبية احتياجات المواطنين في الترفيه عن النفس"، وخاصة أن شاطئ البحر يعد المنفذ الوحيد أمام الفلسطينيين المحاصرين".
وقال خلة: "الاستثمار السياحي مُرضٍ للمستثمرين، ونحن نحاول تسهيل جميع الأمور القانونية أمامهم بحيث تكون إجراءات الاستثمار بصورة سلسة وسريعة".
وإلى حد كبير يخدم الاستثمار السياحي فئات معينة من المجتمع الغزي الذي يعاني من نسبة بطالة وصلت لـ50% وفقر بـ38% وفق إحصاءات رسمية، وخاصة إذا ما أخذ بالاعتبار أن شريحة عريضة من المجتمع –من ذوي الدخل المحدود- لا تستطيع طرق أبواب المنتجعات والقرى السياحية.
ويتطلب ارتياد المنتجعات السياحية في غزة دفع تذاكر دخول تقدر بـ"2.5$" للفرد الواحد، وهي نسبة ليست بالقليلة إذا ما قورنت بالوضع الاقتصادي المتردي في القطاع.
وعملا على ضبط الاستثمار السياحي قال خلة إن وزارة السياحة تعكف على إعداد مشروع قانون من شأنه تحديد تذاكر الدخول للمنتجعات والمراكز السياحية والفنادق وسعر الإقامة فيها، "بما يضمن عدم استغلال المواطنين وبوضع يتناسب مع الحالة الاقتصادية المحلية".
غزة بيئة خصبة
وينظر المستثمرون إلى أن قطاع غزة يمثل بيئة خصبة للاستثمار ليس في القطاع السياحي فقط عازين ذلك لافتقار القطاع لعديد من الاحتياجات سواء كانت الإنشائية (السكنية) أو السياحية (الترفيهية) وغيرها.
وعلى صعيد الاستثمار العقاري فإن عددا محدودا من "المولات" التجارية أنشئ مؤخرا في قطاع غزة فضلا عن إنشاء عدد من الأبراج السكنية رغم المعوقات الأساسية المتمثلة في منع إدخال مواد البناء عبر المعابر التجارية مع (إسرائيل)، وهو بحد عينه يمثل تحديا كبيرا من وجهة نظر خبراء الاقتصاد.
بيد أن هذه "المولات" والأبراج السكنية اعتبرها الخبراء إنعاشا للقطاع الاقتصادي الخاص بعد حالة الركود التي مني بها نتيجة لممارسات الاحتلال.
وتحتوي "المولات" التجارية التي أنشأها رجال أعمال على معظم احتياجات المواطنين من ملابس وأثاث وأحذية وأسواق للخضار واللحوم.
وإن كان د. معين رجب -أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر- قد اعتبر الاستثمار في هذا الاتجاه يساعد في تشغيل الأيدي العاملة فإن تجارا اعتبروه غير مجدٍ بالنسبة لهم، "خاصة أنه يفقد أصحاب المحال التجارية المتفرقة زبائنهم".
وقال صاحب أحد المتاجر جبريل محمد: "إنشاء (المولات) التجارية سلاح ذو حدين (...) البعض يعتقد أنها تحرك عجلة الاقتصاد، ولكننا نرى أنها تفقدنا زبائننا".
وبصرف النظر عن الشكوى التي قدمها التاجر محمد فإن الاقتصادي رجب اعتبر افتتاح "المولات" التجارية يخلق جو منافسة في الأسعار بما يحقق مصلحة عامة للمستهلكين.
وأرجع رجب انتشار افتتاح "المولات" إلى عودة رجال الأعمال في القطاع الخاص لاستثمار مدخراتهم، مبينا أن الاستثمار يعتبر حلقة مهمة في النشاط الاقتصادي، وأضاف: "لكي يستمر الإنتاج بوتيرة أفضل من سابقتها فمن الضروري ضخ أموال في مشاريع جديدة"، مؤكدا أن مسؤولية اختيار المشاريع تقع على عاتق القطاع الخاص ولاسيما أنه صاحب رأس المال ويتحمل تبعات مشاريعه من ربح وخسارة.
وأوصى أستاذ الاقتصاد بضرورة ألا يبالغ في الأسعار، "سواء في المشاريع السياحية أو العقارية"، وقال: "هذه المشاريع تأتي تلبية لاحتياجات المجتمع؛ لذلك نتمنى أن تناسب الأسعار الأوضاع المادية الصعبة التي يعيشها المواطنون"، موضحا أن النشاط الاستثماري يعمل على إنعاش الاقتصاد.

يواجه صعوبة
ومع نشاط الحركة الاستثمارية في غزة فإن رجال الاعمال يعتقدون أن واقع الاستثمار في القطاع ما زال يواجه صعوبات كثيرة نظرا لتعقيدات الانقسام الفلسطيني، "بالإضافة إلى قيود الحصار المفروضة على غزة".
وهنا يسجل رجل الأعمال نبيل أبو معيلق -نائب رئيس مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال- مخاوف رأس المال الفلسطيني من الحصار الذي ما يزال يعرقل المشاريع الاستثمارية، مشددا على أهمية تقديم الجهات الرسمية لتسهيلات للمستثمرين المحليين والمغتربين.
ويسود اعتقاد في أوساط رجال الأعمال أن هناك حاجة ملحة للاستثمار في المنشآت العمرانية، وخاصة أن هناك زيادة سكانية تقدر بـ5%، "ولكن الحكومة مطالبة بتشجيع رأس المال وتسهيل الإجراءات اللازمة المستثمرين"، ذلك وفق أبو معيلق.
ويحاول رجال الأعمال المحليين استقطاب رأس المال الفلسطيني "المغترب" إلى الداخل؛ تشجيعا للاستثمار، ويبين أبو معيلق أن هذا الأمر مرهون بالمصالحة السياسية الداخلية، وقال: "إن المستثمرين الفلسطينيين في الخارج متحمسون للاستثمار في غزة، ولكن المصالحة الفلسطينية المتعطلة تحول دون إقدامهم على تنفيذ مشاريع".
وإذا ما جيء على ذكر الانقسام فلا بد من التطرق إلى تأثيره على المستثمرين الغزيين غير المستفيدين من صندوق الاستثمار الوطني في حصة القطاع، ولكن رئيس الصندوق محمد مصطفى الذي زار غزة مؤخرا وعد بإنشاء صندوق استثمار لقطاع غزة بقيمة "مليار دولار".
ومع ذلك فإن أبو معيلق يؤكد أن تعطل المصالحة ما يزال يعوق تنفيذ الوعود التي أعلن عنها مصطفى، وقال: "إذا تمت المصالحة فإنه من السهل الاستفادة من صندوق الاستثمار الفلسطيني في القطاع".
ونفى أبو معيلق أن يكون لديهم نسبة حقيقية حول عدد المشاريع الإسكانية التي جرى العمل على تنفيذها مؤخرا في غزة، مؤكدا أن الأبراج السكنية التي تقام حاليا تمثل طفرة في عالم الإنشاءات، وأوضح: "إذا ما فتح عالم الإنشاءات في القطاع فإنه سيكون هناك دورة مالية متكاملة".
كذلك اتحاد الصناعات الإنشائية لا نسبة لديه حول التطور العمراني المشهود في غزة، ولكنه أكد أن هناك ازديادا ملحوظا في النشاط العمراني ساهم بصورة كبيرة في تشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة رغم أن (إسرائيل) ما تزال تحجب مكونات الخرسانة المسلحة عن غزة.
وقال المدير العام لاتحاد الصناعات الإنشائية فريد زقوت: "المواد الخام المتوفرة في غزة حاليا مرتفعة الثمن نسبيا مقارنة بالسابق، وفئة كبيرة من المجتمع عاجزة عن الشروع في البناء، ولكن هذا لا ينفي عن غزة صفة تسارع وتيرة البناء وإقامة المنشآت".
نقص حاد
ورغم قلة المواد الخام المتوفرة في القطاع النافذة عبر الأنفاق فإنها ساهمت بصورة كبيرة في تحريك عجلة العمران وإقامة المنشآت السكنية والصناعية.
ويذكر أن نحو 4000 مصنع قصفها الاحتلال الإسرائيلي وذهبت استثماراتها هدرا. ويضاف إلى المعوقات التي تواجه الاستثمار في مجال المنشآت الصناعية -المتمثلة في حجب المواد الخام- نقص الفنيين الصناعيين.
وأكد زقوت أن الصناعات الإنشائية تعاني من نقص حاد في عدد الفنيين، مرجعا سبب النقص إلى لجوء الفنيين في أعقاب الحصار الذي فرض على غزة إلى البحث عن فرص عمل بديلة لسد احتياجاتهم، لافتا إلى إبرام اتحاد الصناعات الإنشائية لاتفاق مع وكالة الغوث من أجل تأهيل فنيين جدد عبر التدريب المهني؛ "حتى يتمكنوا من تغطية العجز الحاصل".
ومن الأهمية بمكان ذكر أن قطاع الزراعة قد شهد أيضا استثمارا ملحوظا رغم أن الاستثمار في هذا القطاع محفوف بالمخاطر، كما تؤكد وزارة الزراعة.
ومن أبرز المشكلات التي تواجه الاستثمار في القطاعي الزراعي طول دورة رأس المال مقارنة بمشاريع أخرى، وذلك وفق تأكيد مدير دائرة التخطيط بوزارة الزراعة د. نبيل أبو شمالة.
وأوضح أبو شمالة أن مفهوم الاستثمار في القطاع الزراعي لا يعني بالضرورة الاستثمار المادي، مشيرا إلى أن وزارته اعتمدت في ظل الحصار المفروض على القطاع الاستثمار غير المادي والمتمثل في إعداد الكادر البشري وتطوير البنية التحتية، "فضلا عن زيادة المشاركة بين المؤسسات".
وعبر عن اعتقاده بأن الإجراءات التي قامت بها وزارته تهدف إلى خلق بيئة جيدة للاستثمار المادي في القطاع الزراعي، مبينا أن هذا الاستثمار ينطوي على خطورة بالغة تتعلق بالعجز على الوصول الحر للأسواق، "إضافة إلى مواجهة عراقيل جمة في تسويق المنتجات حتى داخل الأسواق المحلية (بالضفة الغربية)".
ويقدر الاستثمار الزراعي -وفق إستراتيجية وزارة الزراعة- بـ"100 مليون دولار"، وتشارك فيه الحكومة الفلسطينية بـ20 مليون دولار، والجمعيات الأهلية بـ30 مليون دولار، والقطاع الخاص بـ50 مليون دولار.
ولفت أبو شمالة إلى أن عدد الأيدي العاملة التي ساهم الاستثمار الزراعي في تشغيلها تقدر بـ58 ألف عامل خلال العام 2010، مبينا أن وزارته تعمل على التقليل من مخاطر الاستثمار في الزراعة عبر دعم الإنتاج المحلي ضمن سياسة إحلال الواردات.
ووجه مدير دائرة التخطيط في وزارة الزراعة دعوة لأصحاب رؤوس الأموال في غزة قائلا: "ما يهمنا في الفترة المقبلة هو توجيه الاستثمار في الإنتاج الحيواني".
وكشف مستثمرون سابقون لـ"الرسالة" عن أن أعلى نسبة استثمار تحققت منذ العام 1981 حتى العام 2006 بلغت 40% خلال عام واحد.
وعلى ما يبدو أن الاقتصاد الفلسطيني سيظل يترنح على حبال الاستثمار المتذبذب بفعل المطبات التي يصطدم بها تارة بفعل الحصار وأخرى بفعل الانقسام.. إلى أن تزول هاتان العقبتان.