مؤلفات وليد الخالدي… ذاكرة فلسطين التي لا تموت

الرسالة نت - خاص

شكل رحيل المؤرخ وليد الخالدي غياباً ثقيلاً لذاكرةٍ كاملة ظلّت، لعقود، تقاوم النسيان والتزوير. 

فقد عاش الرجل عمره وهو يكتب فلسطين كما يجب أن تُكتب: حياة كاملة سُرقت، وجغرافيا نُزعت من أصحابها، وكأسماءٍ كادت تُمحى لولا عناده العلمي.

ولد في القدس، المدينة التي لا تُنجب عاديين، وتعلّم بين رام الله وأروقة جامعة أكسفورد، قبل أن يبدأ رحلته الطويلة في تفكيك الرواية الصهيونية، بالأرشيف، بالصورة، وبالشهادة. ومنذ تأسيسه مع رفاقه مؤسسة الدراسات الفلسطينية، لم يكن الهدف مجرد البحث، بل إعادة بناء السردية الفلسطينية على أسس علمية صلبة، تُخاطب العالم بلغته وتُحرجه بأدلته.

لم يكتب الخالدي التاريخ كوقائع جامدة، بل كحياة نابضة. في كتابه "قبل الشتات"، لا نرى فلسطين كأرضٍ فقط، بل كوجوه، كأسواق، كأطفالٍ يركضون بين الحقول، كمدنٍ تنبض قبل أن يبتلعها الخراب. أما في "كي لا ننسى"، فقد تحوّل التوثيق إلى فعل مقاومة؛ إذ لم يترك قرية مدمّرة إلا وأعاد لها اسمها، ملامحها، وحكايتها، كأنما يعيد بناءها بالحبر بعد أن هُدمت بالحرب.

لقد فهم الخالدي مبكراً أن أخطر ما في النكبة ليس فقط ما حدث عام النكبة الفلسطينية 1948، بل ما يمكن أن يُنسى بعدها. لذلك، كان سبّاقاً في كشف "خطة دالت"، واضعاً العالم أمام حقيقةٍ ظلّت طويلاً مخفية أو مُشوّهة. لم يكن هدفه إثارة الغضب بقدر ما كان تثبيت الحقيقة، لأن الحقيقة—كما آمن—أبقى من القوة.

وفي كتبه الأخرى، من "القدس مفتاح السلام" إلى "دير ياسين"، ظلّ الخالدي وفياً لفكرة واحدة: أن التاريخ ليس ماضياً منتهياً، بل معركة مستمرة على المعنى. فكل شهادةٍ جمعها، وكل وثيقةٍ نشرها، كانت بمثابة استعادةٍ لجزءٍ من فلسطين التي حاول الاحتلال محوها من الوعي قبل الأرض.

ما يميّز إرثه ليس فقط غزارته—أكثر من أربعين كتاباً ومئات الدراسات—بل قدرته على تحويل البحث الأكاديمي إلى فعل أخلاقي. لقد كتب ليُبقي الناس أحياء في الذاكرة، لا ليملأ رفوف المكتبات. ولذلك، سيبقى مرجعاً لا غنى عنه لكل من يحاول فهم ما جرى، وما يجري، وما يجب ألا يُنسى.

رحل وليد الخالدي، لكن نصوصه بقيت كخرائطٍ مضادة للنسيان، وكشهادةٍ مستمرة على أن فلسطين، مهما أُثقلت بالجراح، لا تزال تُروى… وتُكتب.