القدس – الرسالة نت "خاص "
لم أكن أتوقع أن أراه أمامي.. واقفا صلباً جريئاً مازحا، لم أتخيل يوما أن ألتقيه خارج شاشات التلفاز وبعيدا عن "المايكروفون" الذي اعتاد أن يستقبل كلماته الثائرة.. كان ذلك في إحدى المناسبات التي دعا خلالها النواب بعض الصحفيين لحفل ما، كان حاضرا وبقوة وإن لم يتحدث إلا القليل مع من يجاوره.
ربما كانت الأحاديث والأخبار والتصريحات التي طالما كتبت عنه كفيلة بأن تجعل منه بطلاً! نعم بطل القيد هكذا يجب تسميته، فأي شخص بسنه ربما يكون مل السجن ودوامة النزاع مع المحتل وتخلى لو قليلا عن مواقفه الجريئة أو توارى عن الانظار، ولكنه كان حاضرا بقوة في كل اعتصام ومناسبة، كلماته تشتد يوما بعد يوم وقوته تزداد في التحدي.
الشيخ.. الإنسان
الشيخ ذاك الذي ولد في قريته المقدسية أم طوبا عام 1952 ذاق مرارة القيد وهو شاب في مقتبل العمر، كان يدرس البكالوريوس في جامعة بيروت ولم يكمله بسبب اعتقاله أثناء عودته في إحدى المرات إلى القدس، كان ذلك في عام 1974 أي وهو في الثانية والعشرين من العمر.
يقول النائب المقدسي أحمد عطون لـ"الرسالة نت " إن النائب أبو طير تعرض للاعتقال مرات عديدة في حياته كانت أبرزها تلك الأولى عام 1974 وأمضى خلالها 11 عاما بعد أن حكم لـ16 عاما، ولكنه خرج بصفقة تبادل للأسرى عام 1985.
ويذكر عطون أن الانتفاضة الأولى ألقت بظلالها على سجله الاعتقالي، حيث شهد عام 1989 اعتقاله حتى العام الذي يليله، وفي المرة الثالثة اعتقل إداريا لعدة أشهر، بينما سرقت من عمره المرة الرابعة عام 1992 ست سنوات، مبينا أن الاعتقالات توالت بحقه بين العام والآخر حتى بلغ مجموعها 30 عاما.
الشيخ أبو طير ورغم كل سنين الاعتقال تلك والتي توجت باعتقاله ضمن نواب ووزراء حماس عام 2006 لمدة أربعة أعوام، لم يمل السجن ولم يسمح لسياط القهر بأن تتسلل إلى خلاياه، بل كان الإنسان الدعوي الذي أحبه كل من عايشه، وكان نموذجا في الأسر لكل أنصار الحركة الإسلامية.
وفي هذا يقول الأسير المحرر يحيى ظهراوي من الخليل لـ"الرسالة نت":" عايشت الشيخ أبو طير في الأسر لعدة سنوات، لا أستطيع أن أصف قوة شخصيته وفي نفس الوقت لطفها وإنسانيتها، كان يشعرنا بأننا مع أهلنا وأحبائنا ويحول جو الزنازين إلى شيء من السرور خلال تواجده، حتى أننا نحزن كثيرا إذا انتقل من قسمنا ونفرح للغاية إن نقلوه إلينا".
ويؤكد ظهراوي أن صبر الشيخ أبو طير وقوته جعلاه يتحدى قيد السجن بكل مرارته، فرغم سنوات اعتقاله المتكررة إلا انه كان يعود في كل مرة أقوى من ذي قبل، مضيفا بأن الشيخ كان يمثل قدوة لدى الكثير من الأسرى الذين تأثروا بشخصيته المحببة.
الإبعاد
كل سنين الأسر تلك لم تشف غليلهم منه، بحثوا عن أي فرصة في الانتقام من رجل ببساطة لم يتراجع عن مبادئه، يريدون الانتقام لأجل الانتقام ولا لشيء إلا الانتقام كما يفعلون مع أكبر مسن وأصغر طفل صُبغت هويته بما يمت لفلسطين بصلة.
ويتابع عطون قوله:" بعد أن أفرج عنه عام 2010 كان شديد اللهفة للقدس وأهل القدس، بل للمسجد الأقصى وكل ما تحمله أركانه من ذكريات مختلطة، كان ينتظر العودة إلى منزله ولقاء عائلته بشوق ولكن بالطبع يجب أن تتدخل يد الاحتلال في كل شيء، ما إن خرج من السجن حتى استجوبوه لساعات وسحبوا هويته المقدسية".
ويضيف عطون بأن المحتل الظالم أبلغ أبو طير بأن وجوده في القدس غير شرعي لأنه خاض الانتخابات تحت قائمة حركة حماس العدو الأول للكيان، وعند قدوم أول جمعة له خارج الأسر لم يصدق أنه يسصلي في المسجد الذي ترعرع في رحابه وستلامس جبهته حجارته، ولكن كان المحتل بالمرصاد فاستدعاه للمقابلة مرة أخرى طيلة صلاة الجمعة، وأبلغه أنه ممنوع من دخول المسجد.
ويقول:" بعد ذلك قام الاحتلال بملاحقة الشيخ ومتابعة تحركاته، خاصة وأن أبو مصعب رفض الإبعاد عن مدينته أو الخروج منها، ولكن فيما كنت معه في أحد الأيام بعيْد الإفراج عنه أوقفت مركبتنا آليات عسكرية وقام الجنود على الفور باعتقال الشيخ أبو طير وتهديدي بذلك إن بقيت في القدس".
الشيخ الصابر أمضى خمسة أشهر تقريبا في الأسر رافضا في كل جلسة محكمة ما يردده الادعاء بضرورة الخروج من القدس، إلى أن جاء شهر كانون أول عام 2010 وتم إبعاده قسرا، غادرها وعيناه تتلألآن بحبها، غادرها والشوق يغمر كل خلايا جسده الذي ذاق أصنافا وأصنافا.
هذه الحرب التي وإن كانت نفسية في معظمها لم تكن لتؤثر على معنويات الشيخ وثباته على مواقفه، بل زادته إصرارا في جولة أخرى من قتال المحتل ولو بكلمة.. فبعد الإبعاد خرج من بوابة سجن عوفر يصدح بكلمات غرست الصبر والعزيمة في قلب كل من سمعها، لم يكترث لأي إجراء صهيوني معتبرا أنها إحدى الجولات في معركة الكرامة المقدسية.
وعقب إبعاده كان لـ"الرسالة نت" حديث معه حول موقفه من ذلك، فقال بكلمات مختصرة:" هذه قمة الصلف الصهيوني وقمة التجبر، لأنهم لا يريدون لأي صوت مقاوم أن يكون في القدس ولا يريدون لروح فلسطينية أن تحيا في القدس بعزة، هذا ببساطة سبب ما قاموا به".