فايز أيوب الشيخ
لم يعد أمام رئيس السلطة محمود عباس من حجة يتعلل بها لتأجيل المصالحة الوطنية، وخاصة بعد خطوة الحصول على العضوية الكاملة في المنظمة الأممية للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو"، وكذلك بعد فشل خيار مشروع التسوية أمام خيار المقاومة وما حققته من انجازات كان آخرها إتمام صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار".
وكانت القاهرة شهدت في الرابع من أيار/مايو2011 احتفالاً رسمياً بتوقيع اتفاق المصالحة بين حركتي حماس وفتح وإنهاء أربعة أعوام من الانقسام بحضور أمناء الفصائل الفلسطينية ومسؤولين عرب ودوليين، غير أن بنود الاتفاق لم يجر تطبيقها بعد على أرض الواقع.
** خيار استراتيجي
النائب الدكتور صلاح البردويل القيادي في حركة حماس، شكك في نوايا رئيس السلطة بانجاز المصالحة إذا ما أبقاها مرهونة بعملية التسوية مع الاحتلال, وقال "إذا كان عباس ينوي التوجه للمصالحة فهي خيار استراتيجي وليس خياراً تكتيكياً ناتج عن فشل في مشروع التسوية أو ورقة ضغط على الاحتلال من أجل تحسين ظروف المفاوضات".
وشدد البردويل في حديثه لـ"الرسالة نت" على أن الخيار الاستراتيجي للمصالحة نابع من أن الشعب الفلسطيني بأكمله يعيش تحت ضغط الاحتلال، مستطرداً أنه حتى السلطة واقعة تحت هذا الضغط رغم أن ذلك بدرجات متفاوتة عن حركة حماس إلا أنه في النهاية يستطيع الاحتلال أن يوقع بالسلطة أذى كبيرا جداً إذا ما خالفت شروط اللعبة الممنوحة لها عبر اتفاقيات التسوية المعقودة بينها وبين (إسرائيل).
واكد البردويل على أن المصالحة هي قضية مرتبطة بإرادة السلطة وليس هناك أي شئ يمنعها، مستنكراً على السلطة أنها تتعلل بمعاقبة (إسرائيل) لها إذا ما أقدمت على المصالحة قائلاً "هذا أمر مخجل وغير مقبول، فالشعب الفلسطيني دائماً كان أقوى، خاصة ونحن نعيش في فترة الربيع العربي الذي يستطيع فيه شعبنا أن يضع أصبعه في عين (إسرائيل) وأمريكا".
وأضاف "لا يعقل أن تعلل السلطة وتبرر ممارساتها القمعية تحت ذريعة الاحتلال وهي التي تواصل معه التنسيق الأمني والاعتقالات والإذلال في الضفة الغربية، إضافة إلى مساعيها المتكررة لتشويه سمعة حماس والتقليل من شأن المقاومة وانجازاتها".
ودعا البردويل حركة فتح إلى الالتزام باتفاق المصالحة الذي وقعته مع حركة حماس برعاية مصرية في القاهرة، مؤكداً أن المطلوب من حركة فتح تنفيذ المصالحة ثم بعد ذلك تجلس نداً إلى ند مع حركة حماس.
وتابع: المطلوب إرادة فلسطينية قائمة على الاعتراف بحقيقة أن حركة حماس هي التنظيم الأقوى في الساحة الفلسطينية على المستوى التنظيمي والعسكري والسياسي ومن خلال هذه الحقيقة يقر عباس بأن منظمة التحرير هي لكل الشعب الفلسطيني وليس ملكاً لحركة فتح, وأي برنامج سياسي لا بد أن تشارك فيه حركة حماس، وما دون ذلك إضاعة للوقت وتمويت للمصالحة الوطنية الحقيقية، على حد تعبيره.
** تحديات كبرى
من ناحيته، أكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي، أن لديهم قرارا فتحاويا وإرادة كاملة لتجاوز أية عقبات تعرقل المصالحة، لافتا الى أن المصالحة "ضرورة ملحة سواء في الانتصارات أو الهزائم، وأنه في جو الانتصارات هناك سمو على الجراحات وإمكانية التنازل الداخلي".
وقال زكي لـ"الرسالة نت": "شعبنا الآن يحتاج إلى الوحدة وعلى القيادة الاستجابة"، مبينا أن "الظرف يتطلب الاستعداد لمواجهة تحديات كبرى".
وأشار إلى أن (إسرائيل) تمارس حربا مفتوحة على كافة الصعد، زاعماً أن عباس أصبح هو الآخر مستهدفاً من قبل الاحتلال بعد أن كانوا ينادون بأنه رجل الحوار والتسوية والعمل السياسي.
وأوضح أن حركته شكلت ما أسماها "لجنة لصياغة خطوات المستقبل والعمل ضمن إستراتيجية جديدة"، معرباً عن أمله بأن يكون كل الفلسطينيين منخرطين بهذه الإستراتيجية للمضي بسياسة جديدة ترد الاعتبار إلى الحالة الفلسطينية، على حد زعمه.
وفي السياقِ، علق زكي على قرار (إسرائيل) الأخير بتجميد إحالة ملايين الشواقل إلى السلطة عن الرسوم الجمركية، فقال "ليست حربهم فقط بحجز الأموال وانما بالغارات والاستيطان وتقطيع الأوصال وعدم الاعتراف بشرعيتنا ومواجهتنا بصفاقة سواء من أمريكا أو(إسرائيل)، معرباً عن اعتقاده بأن الأخيرة هي الخاسرة لأنه حينما تحتل فلسطين مكانة في اليونسكو هذا يعبر عن أننا نحن أصحاب التراث والحضارة والتاريخ وهم الطارئون على هذه الأرض(..) أمريكا بإحجامها وتنكرها لحقوقنا تنتمي إلى رعاة البقر وليس إلى الحضارة والعلم والإنسانية.
وحول مسلسل التنسيق الأمني القائم في الضفة الغربية الذي يقف عقبة رئيسية أمام إنجاز المصالحة، قال زكي " اعتقد أنه حينما تكون المواجهة مفتوحة كل شئ سيكون قابلا للدراسة وبدل على أن يكون التنسيق بمستوى وزير أن يعود إلى مستوى جندي".
** عقبة التنسيق الأمني
وفي ذات الإطار، يرى كتاب ومحللون سياسيون "أن التنسيق الأمني هو العقبة الرئيسية أمام انجاز المصالحة"، فقد استبعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الدكتور عبد الستار قاسم أن تُنجز المصالحة لأن التنسيق الأمني مع الاحتلال مازال قائماً في الضفة الغربية وقال "إذا ما أُلغي التنسيق الأمني فإن المصالحة سوف تتم فوراً ".
وأشار قاسم في حديثه لـ"الرسالة نت" إلى أنه ربما تتفق الفصائل الفلسطينية وبعد ذلك لا ينفذ هذا الاتفاق بسبب عربدة أجهزة السلطة كما جرى في العامين 2005و2007، مشدداً على أن الحل لا يكمن في لجم أجهزة السلطة عن ممارساتها في الضفة بل في إلغائها وتحويل أفرادها للعمل في وظائف أخرى.
كما استبعد قاسم أن تفكر (إسرائيل) في استهداف السلطة أو إلغائها، مذكراً بأن إقامة سلطة فلسطينية أو عربية في الأرض المحتلة هو مطلب (إسرائيلي) منذ عام 1968 لأنهم أرادوا سلطة تقوم بالأعمال المدنية بالنيابة عن الاحتلال وها هي الآن تؤدي أيضاً دورا أمنيا كبيرا في حماية الاحتلال، حسب تعبيره.
** أوراق الضغط
من جهته، ألقى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أسعد أبو شرخ بالمسئولية الأولى في تأخير المصالحة على عاتق رئيس السلطة الذي لم يبدأ فوراً في تطبيق خطوات المصالحة وأجلها إلى حين التعويل على خيار التسوية، مؤكدا أن الفرصة التاريخية سانحة الآن -ونحن نعيش فترة تيار عربي شعبي ثوري جارف- لتوحيد الشعب الفلسطيني على مبادئ الثورة وثقافة المقاومة ووضع خطة إستراتيجية لمواجهة الاحتلال.
وأشار أبو شرخ لـ"الرسالة نت" أنه ثبت عملياً بأن العدو ليس فقط (إسرائيل) بل أيضاً أمريكا التي ضغطت على جميع الدول حتى لا يصوتوا لصالح القضية الفلسطينية في اليونسكو، وقال" إن المقاومة ملكت ورقة ضغط على الاحتلال للإفراج عن عدد من الأسرى، في حين أن (إسرائيل) أعطت وعوداً كثيرة للسلطة بالإفراج عن أسرى ولكنها لم تفعل لأن السلطة لم يكن لديها ورقة ضغط واحدة".
وختم أبو شرخ بالقول: "لدينا أوراق قوية ولكن أهم ورقة في تقديرنا حتى نجد العالم يحترمنا أكثر هي ورقة المصالحة (..) على عباس أن يأتي إلى غزة وخاصة أنه لا توجد مفاوضات بعد أن رفضت (إسرائيل) تقديم أية تنازلات".