العيد في فلسطين .. 4 أيام لا تكفي !

الرسالة نت - أحمد الكومي

مع حلول كل عيد، كان الأسير الفلسطيني يتساءل –ولا زال- من سجنه: ماذا يريد العيد حين يزورني؟ ويغيب طوال العام ثم يعود، وتأتي الإجابة منه سريعاً: العيد فرحته بلمّة أهله، وأنا غريب الدار ثمَّ وحيدُ.

وكان دائماً ما يُحدّث نفسه معاتباً: قلي بربك كيف تضحك مهجتي للعيد مهما زينته ورود؟.. كلمات لها وقع الأثر في النفس البشرية، وإن لم تحرك في الأحرار ساكناً، فالعيش لا خير فيه، والموت -إن كان يباع- فالأولى أن نشتريه.

الأمة العربية والإسلامية تحتفل هذه الأيام بعيد الأضحى المبارك، وكثيراً ما تتشابه عادات المسلمين خلال الأعياد، إلا أن لدى بعض الشعوب والدول عادات تختص بها دون غيرها.

في فلسطين، وقطاع غزة بالأخص، كان لعيد الأضحى هذا العام طعم مغاير، لم يشهد له مثيل على مدار أعوام مضت، فإن كان لفرحة الفلسطينيين بالعيد وقت معلوم، فالأيام الأربعة لعيد الأضحى وحدها لا تكفي، وإن كان ثمة ما يبرر ذلك، فصفقة "وفاء الأحرار" يكفيها أن تكون خير دليل.

450 أسيراً فلسطينياً من أصحاب المؤبدات والأحكام العالية، يحتفلون هذه الأثناء بالعيد برفقة عوائلهم –وإن كان جلُّهم مبعدين إلى قطاع غزة- وهو ما ألبس عيد الغزيين ثوباً يليق بفرحة أسراهم، فلا عيد يضاهي عيدهم، وستبقى الذاكرة تحفظ وعد "القسام" بتحريرهم، وعهده بإطلاق سراح من تبقى منهم.

فرحة أسرانا بالضفة

ولأن "لكل امرئٍ من اسمه نصيب".. كان للحاجة رجاء التي لم يخب رجاؤها في الله بعد أن التقت ابنها الأسير المحرر جهاد بني عودة بعد 22 عامًا من الأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لتكتمل فرحتها بعيد الأضحى المبارك.

ويقول جهاد من قرية عقربا جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة إن لقاءه بوالدته وخطيبته يوم العيد أنساه ظلمة سنوات زنازين الاحتلال وظلم السجان.

وفي منزل الأسير المحرر فراس أبو شخيدم -30 عاماً- من مدينة الخليل كانت أجواء العيد لا توصف.

ويصف أبو شخيدم فرحة التحرر بأنه لا توازيها أي فرحة في الكون، فشعور الأسير يختلف عن أي شخص آخر بتغييبه قسرا عن عائلته ومنعه من الاتصال بهم وحرمانه من أبسط حق له، بينما جاء العيد ليكلل هذه الفرحة ويكون بالفعل أول مناسبة يعيشها في أجواء من السعادة الغامرة.

وبأجواء ملؤها الفرح، يقضي المحرر إسماعيل عبد الهادي المسالمة عيده الأول في منزله ببلدة بيت عوا غرب الخليل، بعد 13 عامًا من الاعتقال، عايش خلالها 27 عيدًا حرم خلاله من الاحتفال مع أسرته المكونة حينها من سبعة أفراد.

ويؤكد المسالمة أنه يعيش الآن فرحة الإفراج الممزوجة بفرحة الاحتفال بعيد الأضحى، لافتًا إلى أن الاحتفال بالعيد يعيد ذاكرته إلى ما قبل اعتقاله، بينما يجدد في نفسه العزم نحو مواصلة مشوار حياته الطبيعية مع أفراد عائلته الذين أصبحوا 13 فرداً بعد زواج أبنائه.

وإلى مدينة رام الله حيث منزل الأسير المحرر إبراهيم المصري، ذاك الذي ذاق عذابات السجن وأوقاتاً قاسية لستة عشر عاماً، الآن لا مكان للحزن ولا الآهات بل الابتسامة هي دوما سيدة الموقف.

ويعتبر المحرر المصري أن الأعياد التي كانت تمر على الأسير وهو في السجن هي من أصعب اللحظات، حيث يستذكر فيها العائلة والأبناء والأجواء السعيدة ويشعر بألم أكبر وهو يضيع أجمل سنوات العمر خلف القضبان، لكن ليس له إلا احتساب كل ذلك في سبيل الله والتقرب من خالقه بقراءة القرآن والدوام على الطاعات كي تكون مصبّراً أساسياً له.

المحررون بغزة

عندما سئلت والدة الأسير المحرر "خالد المغير" من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة عن شعورها بفرحة العيد وولدها حر طليق بعد 42 عيداً من الحزن والعذاب، كانت الإجابة: "وداعاً لعذابات 42 عيداً"، فعجزت أن تّصف شعورها كباقي أمهات الأسرى المحررين من السجون الإسرائيلية.

وتقول: "أول عيد أشعر بالفرحة الحقيقية من كل قلبي منذ 21 عاما، حيث قضيت 42 عيدا دون أن أشعر بمرورها، ولم تكن هناك مساحة حقيقية للفرح، لأن ابني وفلذة كبدي بعيد عن نظري، ولم يستطع أن يصافحني ويُقبلني كباقي أولادي".

وفي ذات القلعة "رفح"، نجد الأسير المحرر المبعد ضمن صفقة "وفاء الأحرار"، محمد بدوي مسالمة، يذبح أضحيته الأولى منذ 10 سنوات، الذي أصر على أن يُضحي هذا العام، لكي يُدخل الفرحة على قلب طفلته بُشرى كانت في الرابعة حين اعتقل، واليوم بلغت أربعة عشر عاماً.

ويلفت إلى أنه يّشعر وكأنه بين أهله في غزة، قائلاً: كرم ضيافة أهالي غزة وحفاوة استقبالهم أشعراني بأنني بين أهلي دون مُبالغة".

ولأول مرة منذ 19 عاماً صدح الأسير المحرر أيمن الشوا بتكبيرات عيد الأضحى المبارك وسط أبناء شعبه خارج زنازين الاحتلال.

وصلى المحرر الشوا في منتصف الاربعينات من عمره صلاة العيد لأول مرة بعد مرور 38 عيداً للمسلمين عليه طيلة فترة اعتقاله في سجون الكيان حيث رفع أكف الضراعة شاكراً ربه ولسانه يلهج بالدعاء لمن كان لهم الفضل في فك قيده وإخوانه الأسرى المحررين ضمن صفقة "وفاء الأحرار".

ما سلف ذكره على لسان الأسرى وذويهم، الذين وصفوا فرحتهم بعيدهم الأول، ليس إلا نماذج مصغرة لحال كثير من المحررين، وستستقبل فلسطين هذه الأيام أفواج الأسرى الذي توجوا فرحة الإفراج بأداء فريضة الحج لهذا العام.

ويظل العيد الفلسطيني المطرز بالتضحيات والملون بالأغاني الحزينة، عيداً لا يشبهه أي عيد، ويبقى العيد المأمول في كسر القيود ورؤية الأقصى إلى الأحضان يعود.