عرسان غزة يدفعون آلاف الشواكل لأجل التباهي بليلة زفافهم

غزة/ أمينة زيارة      

رغم الحصار والتضييق الذي يخيم على بيوت قطاع غزة إلا أن الغزيين المقبلين على الزواج يسعون لجلب المال سواء كان ديناً أو غيره لإقامة حفلة زفاف يتحدث عنها القاصي والداني، فهو بحاجة إلى "فدعوس ، ومطرب يحيي حفلة الزفاف، صالة لإقامة المراسم، وليمة غذاء، سيارات تنقل الضيوف، وأدوات تصوير" وفي النهاية تصل التكلفة إلى عشرات آلاف الشواكل، ولقد اعتبر بعض العلماء والدعاة أن تلك المراسم هي من باب الإسراف والتبذير الذي حذر منه الإسلام مؤكدين على مقولة صلى الله عليه وسلم "خير النكاح أيسره"، "الرسالة" دخلت البيوت الغزية وشاركت العرسان "حسبة الزفاف" وخرجت معهم بأرقام هائلة.

**سبعة آلاف شيكل

العريس "وائل" يعمل طبيباً تحت التدريب اختارت له والدته عروسا جميلة تدرس في كلية الهندسة بالجامعة الإسلامية، وتمت مراسم الخطوبة، وما أن مرت خمسة شهور حتى بدأ بحساب التكاليف: " سبعة آلاف شيكل" ما بين الفندق الذي يليق بمكانته وزوجات زملائه والسيارات و"الفدعوس" والحفل الذي سيحييه مطرب شعبي، علاوة على جلب ثلاث كاميرات لتصوير زفافه الميمون، وبدلة العروس بألفي شيكل.

الحاجة أم محمود أم العريس علمت لتوها بحسبة زفاف العريس فضربت كفاً على كف وقالت: "هذا إسراف حرام عليهم وكأنه دفع مهر عروس أخرى بهذه التكاليف الخيالية" وتتذكر أيام زفافها قبل أربعين عاماً ونيف، كان مهري "ثلاثة جنيهات مصرية" وكانت لها قيمتها في ذلك الوقت لكن زوجي -رحمه الله- لم يكلف نفسه فوق طاقته فقد أقمنا حفلة الزفاف في "حوش بيتنا" وكانت ليلة جميلة لا ينقصها شي ولم تكلفه مالاً كثيراً كما يحدث من شباب اليوم.

**حسبة عويصة

فيما جلس العريس "عبد الرحمن" الموظف المستجد في الشرطة الفلسطينية -والذي لا يصل راتبه إلى 1200 شيكل- في غرفته وجلب ورقة وقلما وأخذ يحسب حسبته التي وصفها "بالعويصة" خط فيها بقلمه الأحمر مراسم الزواج "حفلة الشباب وإحضار المطرب (...) ألفا شيكل، والفدعوس مع السيارات ألف شيكل، وصالة الفرح ثلاثة آلاف شيكل، وليمة غذاء ألف شيكل، والكيك والمشروبات 400 شيكل، وتصوير حفلة الزفاف 500 شيكل" ثم بدأ يشطب بعض الأشياء غير اللازمة في نظره لكن يعود ويكتبها أسفل الصفحة حتى زاد احمرار الورقة من شدة الشطب.

فما كان منه إلا أن قام بقذفها إلى ركن بعيد في غرفته مستقراً على أشياء باستطاعته إحضارها وقال: حسبة الزفاف مكلفة وتحتاج أموال كثيرة "الله يعين شباب غزة في ظل الحصار" ولأن راتبي صغير لا يكفي هذه الأشياء فقط سأقوم بعمل فرح في حوش البيت دون الالتفاف إلى الأشياء الثانوية التي ليس باستطاعتي توفير أموالها.

**ديون ..ديون

أما العروس "مريم" ذات الثمانية عشر ربيعاً فقد أصرت على إقامة حفل زفافها في أحد الفنادق الكبيرة في غزة وإحضار فدعوس وكيك ومشروب للضيوف وبعض أواني الأرز واللحم لتطعم ضيوفها، ولم يجد العريس "بسام" إلا أن يوفر تلك الطلبات حتى يظهر بالمظهر الكريم أمام أهل عروسه، ولكن يبقى السؤال كيف حصل على هذه الأموال، ويجيب على أسئلتنا قائلاً: استدنت من أصدقائي كي أوفر طلبات العروس وأهلها، كما أن والدي استدان من أصدقائه وأقمنا الفرح، والآن مر على يوم الفرح عام ونصف العام وتلك الديون لم تُسدد حتى اللحظة.

ويشارك والده بالحديث ضاحكاً: "العروس للعريس والجري للمتاعيس" ونحن المتاعيس فهو الآن لا يسأل عن الديون بقدر ما أبحث أنا عن تسديدها، مضيفاً: لا أنام الليل وأنا أفكر في كيفية سدادها مع أن أصدقائي لا يطالبوني، ناصحاً الشباب الغزي بعدم اللهاث لإحضار مثل أشياء ثانوية تضر أكثر مما تنفع ، ويضيف: "على قد حرامه يمد رجليه" لذا أقول لكل شاب أن يتزوج بدون أن يستدين من أحد لأن الدين نار تأكل صاحبها.

**"خير النكاح أيسره"

فيما دعا فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام د. أسامه خياط المسلمين إلى الإقبال على الأفراح والإعلان عنها ومحذراً من الإسراف فيها والتبذير، مضيفاً: "شرع الله لنا الزواج وإقامة وليمة النكاح ودعوة الناس إليها وإكرامهم بما يقدم إليهم من طعام".

وأشار إلى أن بعض الناس يقومون بأعمال لم يشرع بها الله ولا يوافق هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أبرزها الإسراف في الإنفاق على هذه الحفلات من اختيار أغلى دور الأفراح ثمناً والمبالغة بأنواع الطعام والشراب مقداراً ونوعاً مما يفيض عن الحاجة وينتهي به الأمر إلى ما لا يليق بنعمة يجب إكرامها والعناية بها، لاسيما أن البعض يرغب بها ممن مستهم الحاجة".

ويضيف: المبالغات في الحفلات وما يتجلى في ملابس النساء بتعمد اختيار الأغلى ثمناً والأرفع سعراً والأحدث عرضاً في الأسواق أملاً في التفوق والتمتع بشعور التفرد والتميز يحيد بهذه المناسبة عن صحيح وضعها وتصرف به عن وجهها ومقصودها الذي شرعت له، موضحا أن بركه النكاح ليست بكثرة الإنفاق بل هي في تيسيره والقصد في الإنفاق لقوله صلى الله عليه وسلم:(خير النكاح أيسره).

فيما أكد العلامة ابن جبرين رحمه الله -في فتوى له- أن عمل الولي مناسبة وقت العقد من العادات تعتبر كرامة للحاضرين وضيافة للوافدين وفرحاً وابتهاجاً بهذه المناسبة الطيبة ولكن بدون إسراف أو تبذير بل بقدر الحاجة، وأما ضرب الدفوف فلا حاجة إليه وإنما رخص فيه ليلة الزفاف ولو كان دليل الفرح والاغتباط، عملاً بحديث: (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف).

موضحاً أن حفل ليلة الزواج يجوز به عمل وليمة العرس المشروعة بمناسبة الزفاف واجتماع الأقارب والأحباب ولكن لا يجوز الإسراف والتبذير في الطعام وإفساد المال في ذلك ولا يجوز الإطالة في السهر والتمادي في الضرب بالدف الزائد عما تحصل به الكفاية.