مقال: إنسانية شريان الحياة تعانق إنسانية الإسلام

أ‌.         يوسف علي فرحات

شهدت مدينة غزة قبل أيام تظاهرة إنسانية قادها النائب في مجلس العموم البريطاني ( جورج غالاوي ) وذلك من خلال حشود الأحرار الذين جاءوا من سبعة عشر دولة ، حيث قطعوا ما يزيد على سبعة آلاف كيلو متر حتى وصلوا إلى غزة ، في رحلة استغرقت إحدى وثلاثين يوماً ، وهنا لابد أن أسجل كل التحية والاحترام والتقدير ، لقافلة الأحرار ( قافلة شريان الحياة ) وعلى رأسها (جورج جالاوي ) الذي ينبض بالحياة والحرية ، لذا لا غرو أن تخرج جماهير غزة لاستقبال هؤلاء الأبطال الأحرار ، الذين ينبضون بالحرية والإنسانية ، فهذا هو أقل القليل ، الذي تقدمه غزة وأهلها لهؤلاء ، لذا كان الأخ إسماعيل هنيه موفقاً كل التوفيق ، عندما أعلن أن الحكومة ستطلق على أحد شوارع غزة الكبيرة ( شريان الحياة ) فهذا من الوفاء الذي تعلمناه من الإسلام ، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ المعروف لرأس من رؤوس الكفر هو المطعم بن عدي ، الذي أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في جواره ، بعد عودته من الطائف ، حيث أوصد أهل الطائف الباب في وجهه  ، والمطعم هذا هو الذي قام بنقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب ، قام بنقضها هو وهشام بن عمرو ابن الحارث ، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي ، وأبو البختري ابن هشام ، وزمعة بن الأسود بن المطلب ، كما ذكره ابن إسحاق. ، لهذا كله حفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، له هذا المعروف ، فقال يوم بدر : " لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى  لتركتهم  له " .

إن رحلة شريان الحياة ، هي رحلة الإنسان الذي يشعر بأخيه الإنسان ، هي رحلة التضامن مع المظلومين والمستضعفين ، هي رحلة الأحرار ، لذا ذكرني هؤلاء الذين فريق منهم من الأجانب الغربيين ، ليسوا من جلدتنا وعلى غير ملتنا ، ذكروني بما قاله : عمرو بن العاص ، فيما أخرج مسلم في صحيح ، حيث روى المستورد القرشي  عند عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « تقوم الساعة والروم أكثر الناس ». فقال له عمرو أبصر ما تقول. قال أقول ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك .

لا يشك أحدٌ بمساحات الحرية الممنوحة لهؤلاء في بلادهم ، وهذا يفسر هذه الحملات الإنسانية ،  في حين لا يجرؤ من يعيش تحت  سقف الأنظمة الديكتاتورية أن يصنع صنيعهم .

من هنا كان أعضاء قافلة شريان الحياة عظماء يستحقون كل تقدير واحترام ، حيث تنبع عظمة الإنسان من إنسانيته . هذا وقد تعانقت إنسانية شريان الحياة مع إنسانية الإسلام ، الذي وجه عناية بالغة إلى ( الجانب الإنساني ) وأعطاه مساحة رحبة من رفعة تعاليمه وتوجيهاته وتشريعاته ، " فإذا نظرت مثلاً في الفقه الإسلامي وجدت العبادات لا تأخذ إلا نحو الربع أو الثلث من مجموعه ، والباقي يتعلق بأحوال الإنسان من أحوال شخصية ومعاملات وجنايات وعقوبات وغيرها . على أنك إذا تأملت العبادات الكبرى نفسها وجدت إحداها إنسانية في جوهرها ، وهي عبادة " الزكاة " فهي تؤخذ من الإنسان الغني ، لترد على الإنسان الفقير. هي للأول تزكية وتطهير ، وللثاني إغناء وتحرير . والعبادات الأخرى لا تخلو من جانب إنساني تلمحه في ثناياها . فالصلاة عون للإنسان في معركة الحياة ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) . والصوم تربية لإرادة الإنسان على الصبر في مواجهة المصاعب ، وتربية لمشاعره على الإحساس بآلام غيره ، فيسعى لمواساته ، ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان ( شهر الصبر ) . والحج مؤتمر رباني إنساني ، دعا الله فيه عباده المؤمنين ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) فشهود المنافع هنا يمثل الجانب الإنساني في أهداف الحج .

وفوق ذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يرفع إلى درجة العبادة كل عمل يؤديه المسلم ، يترتب عليه نفع مادي لإنسان ، أو سرور نفسي لإنسان . ولا يكاد مسلم يجهل الأحاديث النبوية التي تقرر  : " إِفْراغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ   صَدَقَةٌ  ،َ تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ، وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ صَدَقَةٌ، وَهَدْيُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّالَّةِ صَدَقَةُ " [ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان والبخاري في الأدب المفرد ، وصححه الشيخ الألباني ] .

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ليرفع بهذا اللون من البر والخدمة الإنسانية اليومية ، إلى منزلة الواجب الذي يؤاخذ من تركه عمداً وهو قادر عليه . فقد أخرج الشيخان  عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "على كل مسلم صدقة فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد" . أي أنهم حسبوا الصدقة محصورة في إعفاء شئ من المال للمحتاج ، فبين لهم سعة مفهوم الصدقة التي يأمر بها كل مسلم ، حتى من لم يجد ما لا يتصدق به ،  فقال : " يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا فإن لم يجد قال يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا فإن لم يجد قال فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة " . وأكثر من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل هذه الفريضة الإنسانية الاجتماعية اليومية على كل سُلامى من جسم الإنسان ، أي كل مفصل . ففي الحديث الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة (خطوة) يخطوها إلى الصلاة صدقة ويميط الأذى عن الطريق صدقة " وفي بعض الأحيان تجد الأحاديث النبوية تعطي قيمة لبعض الأعمال الإنسانية ، ترتفع درجتها على الاشتغال بالقربات الدينية ، وذلك في دائرة الأعمال التي تتسع دائرة النفع فيها للخلق ، أو يدرأ بسببها شر كبير عن الناس ، مثل إصلاح ذات البين ، وعدل الوالي في ولايته ... ونحو ذلك

وهكذا فإن ديننا هو دين الإنسانية ، لذا يرحب بكل عمل إنساني ويباركه ويتعانق معه ، فمرة أخرى كل التحية لقافلة الإنسانية ( قافلة شريان الحياة)