نافذة واحدة لا يمكن اغلاقها ترحل ذهاباً واياباً على سيمفونية المطر لتقطع غفوته المستحيلة.
ما فتىء يحاول الحصول على الدفء الا أن صفير الرياح كان يتسلل عنوة من بين قضبان المعتقل الحديدية ويخطف منه أنفاس الساكنين التي كانت تمده بشيء من الأمان والدفء.
وليس بعيداً عن تجربة كانون في الأسر، افترش الطفل الفلسطيني بياض الثلج على الحدود السورية محاولاً الحصول على رائحة الدفء في (بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد..) الا أن حكاية تشريده في خيم البؤس الباردة حالت دون ذلك.
تلك مشاهد كانون.. التي جمدت رعشة قلوب الأسرى واللاجئين.
أنفاسنا للتدفئة!!
الليالي الشتوية تمر ثقيلة على الأسير أبو عمر والذي تواصلت "الرسالة نت" معه داخل معتقل النقب الصحراوي , (الرعشة) وصلتنا عبر الهاتف وكأنها رعشة البرد والخوف من التفتيشات الليلة معاً .
وتعمد إدارة مصلحة السجون بالتضييق على الأسرى، وإجبارهم على الخروج للساحة العامة في ظل المطر والبرد الشديد.
وقال أبو عمر _اسم مستعار_ الذي أمضى سبع سنين في الأسر:" في منتصف الليل تزداد التفتيشات ويتم اخراجنا الى الساحة في البرد القارس ويتمر ذلك لساعات ", وأضاف :" لا يوجد داخل المعتقل اي وسائل للتدفئة سوى أنفاسنا والتي تمدنا بالعزيمة والاصرار وبعض البطاطين التي نتشارك فيها مع بعضنا ".
وأشار الأسير بعد أن أخفض نبرة صوته لمرور أحد أفراد الحرس من أمام القضبان الى أنه يمنع اغلاق نافذة المعتقل اضافة الى بابه الحديدي والذي تدخل من بين قضبانه الريح اليهم ليلاً.
من جهته أكد المختص في شؤون الأسر عبد الناصر فروانة أن معاناة الأسرى تفاقمت بفعل المنخفض الجوي الذي مرَّ على البلاد، منوهاً الى أن المنخفض الجوي أثر على الحياة خارج الأسر, متسائلاً :" فكيف حياة الأسرى في ليالي كانون الباردة ؟؟"
ولفت فروانة خلال حديثه لـ "الرسالة نت" إلى أن أعدادا كبيرة من الأسرى يعانون من أمراض عديدة، تزيد من أوجاعهم في ظل البرد والمطر الشديد, قائلاً :" معاناة الأسرى مركبة داخل السجون وباعتقادي لن تنتهي بانتهاء برودة كانون فإدارة السجون لم تحرك ساكناً تجاه أوضاع الاسرى وحاجتهم لوسائل التدفئة فالمعاملة التعسفية قبل الشتاء وبعده هي ذاتها ولم تتحسن فالاقتحامات مستمرة وتعريضهم للبرد لساعات في الساحات ".
والجدير ذكره أن مياه الأمطار تدفقت إلى جميع السجون، خاصة سجن "شطة" الإسرائيلي، الأمر الذي أثر سلباً على أغطية وملابس ما يقارب 130 أسيراً، ونقلهم إلى سجن آخر.
ووصل إلى سجن "ريمون" الإسرائيلي الأسبوع الماضي 103 أسرى قادمين من سجن "شطة" بعد أن غمرت مياه الأمطار غرفهم.
وأشار الأسير بأن المعتقل يفتقر للأغطية والملابس الشتوية، إضافة إلى الحاجات والخدمات الأساسية التي يحتاجها الأسير , لافتاً الى أن الأسرى يعانون من شح المياه الساخنة لعدم ايقاد مصلحة السجون (البوابير) الخاصة لها .
وحذر المتابع لشؤون الاسرى من خطورة غياب التدفئة ودرجة الرطوبة العالية داخل الزنازين وما يحمله ذلك من أمراض وجراثيم تؤدي الى تدهور حالتهم الصحية , مشيراً لانتشار أمراض الجهاز التنفسي والانفلونزا الشديدة والتي سرعان ما تنتقل بين الأسرى لغياب الأدوية اللازمة .
وقال فروانة :" أجساد الأسرى انهكت بسبب تراكم الأمراض فيها والبرد الشديد داخل الزنازين التي تحتوي على حمام وشباك واحد لا يمكن إغلاقه إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي".
مخيمات كانون
فصول حكاية برد كانون تجسدت مشاهدها أيضاً مع اللاجئين الفلسطينيين على الحدود السورية مع الدول العربية المجاورة لها .
ترتعش قلوب المشردين برداً وألماً بعد رحلة التهجير التي عايشوها ابان النكبة مروراً بالنكسة وليس انتهاءً بالنزوح من مخيم اليرموك الى بلاد لم تهديهم سوى الخيام مجدداً.
وتستضيف كل من الأردن ولبنان وتركيا أكثر من 130 الف لاجئ مسجل ويتوقع عمال إغاثة أن تزيد الأعداد مع تصاعد أعمال العنف حول العاصمة دمشق.
يتكرر مشهد الانتظار أمام شاحنات الاغاثة الانسانية من البلاد العربية .. ساعات الوقوف على ذرات الثلج الأبيض تطول , هو الانتظار في برد كانون بحثاً عن الدفء من تلك الاغطية والبطانيات التي ترسل الى المعذبين هناك .
لم تكن تلك البطانيات التي وزعت عليهم في الطرقات ومخيمات التشريد كافية لتغطي ألمهم أو
المنخفض الجوي أثَر سلباً على جميع اللاجئين ، نظراً لسوء الأحوال والأوضاع المعيشية في تلك السجون، التي يتجاهل الاحتلال فيها الحقوق المعيشية والحياتية للأسرى.
وإذا كانت بعض العائلات النازحة قد وجدت غرفة تؤويها بسهولة، فإن آلاف العائلات النازحة السورية والفلسطينية تعيش حالة تشريد صعبة مع تساقط الأمطار بغزارة وملامسة الحرارة درجات الصفر وانخفاضها إلى ما دونها ليلاً .
وأعلنت اليونيسف أن أكثر من نصف مليون طفل مهددون بخطر الموت هذا الشتاء من الخوف والبرد، مع درجات حرارة منخفضة, وناشدت كل الجهات الاغاثية لتقديم يد العون لأطفال سوريا واللاجئين الفلسطينيين .
اللون الأبيض لتلك الثلوج المتساقطة عكست نقاء قلوب الأسرى خلف القضبان واللاجئين الفلسطينيين على الحدود العربية , والتي كشفت برودتها قسوة العديد من الجهات العربية والدولية التي تقف عاجزة عن تقديم ولو لمسة دفء في ليالي كانون الماطرة.