لم تسعفني ذاكرة التاريخ أو حتى أدب القصص والأفلام كي أجد ما يُشبِه حالة الاستخدام والاستعباد الوظيفي التي يؤديها المُنسِّقون أمنياً يوم أن تحولت لغة البندقية في الحوار مع العدو إلى جهاز لاسلكي للإبلاغ عن مقاوم أو معلومة عن طائرة مفخخة تجهزها المقاومة وتحولت القنبلة اليدوية إلى قبلة لا تفسد الوضوء وتحول المحتل إلى شريك أمني يرى فيه عدنان الضميري شاعر التنسيق الأمني مصلحة أمنية عليا للفلسطينيين "فهي حياة تسر العِدا أو مماتٍ يغيظ الصديق"، ولو تَسَنَّى لَنَا أن نُسرِّعَ شَريطَ الثورة على مَدار الخمسين سنة السابقة كَيْ تَكونَ فِيلماً من أفلام البُطولة أو حتى الإثارة والرُّعب لرَأينا نهايته على ما لم يُرِدْهُ المُمَثِّلون أو حتَّى المشاهدون ولرأينا تحُّولاً وتحُّوراً في المَسار وانعكاساً في الاتِّجاه الثوري لم يَحْلمْ به دارون اليهودي في نظرية النشوء والارتقاء أو هرتزل الصهيوني في أحلام يقظته حين رُفعت خارطة فلسطين في مؤتمر بال كي تكون وطناً قومياً لليهود أو حتى ماركس اليهودي المُلحِد في نظرية حتمية الصراع بين الاشتراكية والرأس مالية. ولكن نهاية البندقية كانت خطوات بدأها عباس وياسر عبد ربه في بداية السبعينات المنصرفة كما رصدها سفير فلسطين السابق د. ربحي حلوم في محاضرته عن الأمن القومي الفلسطيني حين اتهم عباس باستخدام أموال المنظمة في الابتزاز الثوري ووصف التواصل مع (الإسرائيليين) بالإنحراف الخطير في مسار الثورة. وتَوَّجت اتفاقية أوسلو تلك العلاقة بين السلطة الوطنية و(إسرائيل) كي تكون الأجهزة الأمنية الفلسطينية مستعبدة في تأمين المستوطنين والحفاظ على الأمن (الإسرائيلي) وتسليم المقاومين جزية للعدو في علاقةٍ أسوأ مما كانت عليه حكومة فيشي الفرنسية مع المحتل الألماني في الحرب العالمية الثانية حين كان الشباب الفرنسي يخوضون حرب استنزاف مع الجيش الألماني، وربما أسوأ من وثيقة الاستسلام الذي وقعها الإمبراطور الياباني مع الأمريكان بعد هزيمتهم في الحرب.
يصعب على المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية التي تعيش حالة من المتابعة والرصد الكامل من الأجهزة الأمنية الفلسطينية أن تسمي تلك العلاقة القذرة من السفاح بين تلك الأجهزة والاحتلال بغير مسمى العهر والعمالة أو الجاسوسية الجماعية، والتي امتدحها يوسي بيلين صديق ياسر عبد ربه في مقالته في الذكرى العشرين لتوقيع اتفاقية أوسلو وجعل من قدوم السلطة حدثاً حقق الأمن والأمان لـ"الإسرائيليين" وجعل من المُنسِّقين كينونة لا تختلف عن الجيش (الإسرائيلي) في حماية الأمن. كما يستحيل على الشعب الفلسطيني صاحب أطول ثورة في القرن العشرين أن ينسى شهداء التنسيق وأسرى التنسيق في السجون (الإسرائيلية) كخلية صوريف والقائد احمد سعدات، ولم يعترف الشعب الفلسطيني بالتنسيق الأمني بغير الوجه الآخر للعدو (الإسرائيلي) ومن حقه أن يتصرف معهم كوجهين قبيحين لعملة الشيكل.ٍ