اختاروا العيش في بيوت بلاستيكية، وإن حالفهم الحظ يبنون مساكن من صفيح، فمظاهر الحياة المغلفة بالرفاهية لا تعني لهم شيئا، همهم الوحيد أن يبقوا هناك، على أرضهم في قرية الجفتلك الفلسطينية.
خمسة تجمعات سكانية، تتوزع على مساحة 27 ألف دونم في منطقة الجفتلك بالأغوار الشمالية، كانت قبل سنوات قليلة أراض خضراء، تتزاحم فيها المحاصيل من شتى الأصناف، حتى باتت تعرف بسلة فلسطين الغذائية، لوفرة مياهها وخصوبة تربتها، إلى أن غرس الاستيطان مخالبه فيها، وقطع عنها شريان الحياة، حتى أصاب التصحر 40% من أراضيها.
ولأن المياه الجوفية هي الوريد المغذي لأراضي الجفتلك، سعت "إسرائيل" بقوتها وبما تمتلكه من إمكانيات لقطع هذا الشريان، وحرمان آلاف الدونمات من الماء، حتى تحولت لأراض شبه صحراوية من شدة الظمأ الذي أصابها وأتلف خصوبتها وثمارها.
سرقة المياه
يقول عضو مجلس الجفتلك هزاع دراغمة لـ"الرسالة نت":الاحتلال يسعى لانتزاع أكثر من 6 آلاف نسمة يسكنون الجفتلك من أراضيهم، ليضع يده ويبسط نفوذه على أراضينا".
ويتابع: "يوجد في منطقتنا 28 بئر ارتوازي، هي المصدر الوحيد للمواطنين في شربهم وزراعتهم، لكن بفعل سياسة الضغط علينا فقط جفف الاحتلال عشرة آبار منها بشكل كامل، حيث يقوم الجانب الإسرائيلي بحفر آبار ارتوازية بعمق يتجاوز 1500 متر تحت سطح الأرض، وبذلك ينهبون المياه التي تصل للآبار الفلسطينية التي لا يتعدى عمقها مئة متر".
ويشير دراغمة إلى أن المزارع الفلسطيني في الأغوار بدأ يتجه لزراعة النخيل بسبب شح المياه، في محاولة منه لإيجاد حل بديل لرزقه واستصلاح أرضه قدر الإمكان، حيث زرع 4 آلاف دونم من الأراضي بالنخيل مؤخرا.
وتعد منطقة الجفتلك نموذجا لما يعانيه أهالي الأغوار الشمالية بالضفة المحتلة من سياسة التهويد ومحاولة الاحتلال تهجير المواطنين وأصحاب الأراضي بطرق غير مباشرة وبشكل تدريجي.
ويعلق دراغمة على ذلك بقوله:"الاحتلال يسعى لطرد المواطنين من الأرض بصمت، فسكان الأغوار يعانون بشكل كبير من المستوطنات المحيطة، التي يدرج الاحتلال منطقة الجفتلك ضمن مخططها".
ويضيف:"لا يوجد في الجفتلك أبنية اسمنتية، حيث تمنع الاحتلال المواطنين من البناء، لذلك كل من يعيش هنا يسكن في بيوت بلاستيكية أو بيوت من صفيح، ومع ذلك فهذه المنازل أيضا عرضة للهدم في أي وقت".
يصمت برهة ثم يقول:"باختصار كلها ضغوط تمارس على المزارع لإجباره على الرحيل وترك أرضه".
وتواجه محاصيل الأغوار أزمة في تسويق محاصيلها وإنتاجها، مما يراكم خسائر مادية على كاهل المزارع الذي يصر على فلاحة أرضه لحمايتها من التهويد.
حيث لا تستوعب السوق المحلية ضخامة الإنتاج من محاصيل الأغوار، كما يمنعون من تصديرها للأردن، أما تصديرها للسوق "الإسرائيلية" بحاجة لتنسيق وإجراءات قد تمتد لأكثر من يوم، وخلال هذا الوقت يكون المحصول قد تلف، مما يدفع المزارع لبيع محصوله بأسعار رخيصة جدا.
إصرار على البقاء
الشاب العشريني إسلام صبري، يسكن مع عائلته في بيت من صفيح قرب مستوطنة "مسواه" يعتني بأرضه التي ورثها عن والده وأجداده، يقول لـ"الرسالة نت":"الحياة هنا أشبه بحياة القرون الوسطى، لا مواصلات ولا مصادر للكهرباء سوى من الاحتلال، الذي يتحكم بفصلها وقتما يشاء، ويجفف منابع المياه ويحرمنا منها".
ويتابع:"بعد أن تخرجت من الجامعة اخترت أن أبقى بجانب أخوتي للعمل في أعمال الزراعة، وتسويق منتجاتنا ومحاصيلنا، فالأرض بحاجة لنا أكثر من أي شيء، وإن أهملناها ستكون هدفا سهلا للاحتلال".
ويشير إسلام إلى أن الاحتلال هدم منزل أحد أشقائه، بحجة عدم الترخيص، إلا أنهم نصبوا خيمة فوق ركام منزلهم وسكنوا فيها، في إصرار منهم على التمسك بأرضهم وعدم الرحيل.
وبفعل الجفاف الذي أصاب بعض الأراضي في الجفتلك، أجبر بعض المواطنين للعمل داخل المستوطنات المحاذية لمنطقتهم، وبأجور منخفضة، مما ضاعف من حالات الفقر لدى الأهالي الذين يجدون أنفسهم وحيدين أمام آلة الاستيطان التي لا تتوقف.
المزارع وحيدا..
وفي هذا الإطار يقول دراغمة:"المزارع الفلسطيني في الأغوار يقف وحيدا أمام عجز السلطة والمؤسسات عن تقديم المساعدة له، فنحن نسكن في منطقة "C" حسب اتفاقية أوسلو، أي تحت إدارة الاحتلال الذي يرفض إصدار تصاريح لأي مشروع لتحسين البنية التحتية المعدومة أصلا في الجفتلك".
ويعاني أهالي الجفتلك من بعد المسافات بين التجمعات السكنية والمراكز الصحية أو المداس في ظل انعدام المواصلات بالمنطقة، حيث يضطر الطلبة لقطع أكثر من 5-6 كم للوصول للمدرسة، كما تضطر النساء للمشي سيرا على الأقدام لعشرة كيلو مترات حتى تصل للمركز الصحي لتطعيم الأطفال أو العلاج.
وعلى الرغم من وجود أكثر من 6 آلاف نسمة يسكنون الجفتلك، إلا أنها لا تحوي غير مركز صحي واحد، يتواجد به طاقم طبي من الساعة التاسعة صباحا وحتى الثانية بعد الظهر، مما يشكل معاناة أخرى للمواطنين.
ويوضح دراغمة:"الفقر يجبر الكثيرين على قطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام تحت المطر، أو تحت أشعة شمس الأغوار الحارقة، وهذه المعاناة تكون مضاعفة أكثر على طلبة المدارس، وعلى النساء".
ويضيف:"المعاناة ليست فقط بالمسافات الطويلة، بل بالخطر الذي يهدد الأطفال والنساء من المستوطنين المقيمين في المستوطنات المحاذية لنا، ففي العام الماضي حدثت عدة محاولات اختطاف لأطفال كانوا يسيرون قرب الشارع الرئيسي، لم نعد نأمن على أنفسنا وعائلاتنا من هذه المخاطر".
وطالب دراغمة بوجود دعم مادي ومعنوي لأهالي منطقة الجفتلك، ليبقوا متمسكين بأراضيهم، قائلا:"لن نتخلى عن حقنا في البقاء على أرضنا".