هرب مع أسرته وهو صبي من قريته الفلسطينية عام 48 إلى منافي الأرض وأصبح لقبه " أبو صرة" لأنه اعتاد أن يضع كوشان الأرض ويجمع ملابسه وذكرياته من كل عاصمة عربية في حقيبة من القماش, ثم يحمل الصرة على ظهره إلى عاصمة أخرى.
ظن أبو صرة أن وجوده في عمان ضيافة إجبارية مؤقتة لعدة شهور, وربما بضع سنوات, سيعود بعدها الى البيت, لكن أبو صرة كبر في منفاه الأول, وكبرت المسافة بينه وبين العودة, وعندما طارده أيلول الأسود هرب بملابسه الى بيروت.
ويوم هبط في لبنان, اعتقد أنه قريب من البيت الذي احتضنه, فهو لايزال يشم رائحة الأرض مع نسمات تهب من الجنوب, لكن هبوب رياح الحرب الأهلية في لبنان 1975 قذف أبو صرة بالصواريخ والقذائف والمجازر, ولم يعد أمامه خيار سوى الفرار, يومها وقف على الاطلال يبكي بيروت بعدما غنا مع أهلها: "سيجنا لبنان وعلّينا سياجه وهالبيت العمران مشعشع بسراجه".
حملت الأقدار والأقدام أبو صرة نحو الكويت, التي اعتبرها استراحة مهاجر, محطة ينعم فيها بخير الخليج, بعد أن اشتعل شعره شيبا, لكن ما لبث ان اشتعلت حرب الخليج بعد الغزو العراقي للكويت, وبمجرد انتهاء الحرب 1991, تحولت الاستراحة الى استباحة لحياته, يدفع فيها أبو صرة ثمن شرذمة العرب, وضريبة المواقف السياسية, وقبل ان تطاله يد الانتقام, وضع أبو صرة ثوبه في فمه وقال: "يا طريق اخليلي", وحط الرحال في بغداد, حيث الكرم الصدامي مع الفلسطينيين, وهكذا عاش مع اهل العراق على الحلوة والمرة, تحت الحصار والتهديد, لكنه على الاقل كان يشعر بفضل فلسطينيته وعروبته, إلى أن طاردته الفتنة الطائفية, وتحولت نعمة "الكرم الصدامي" إلى نقمة بعد العام 2003, تعرض بسببها إلى الاضطهاد من بعض الجماعات المسلحة.
المهم.. بحث أبو صرة يمينا وشمالا.. شرقا وغربا, حتى وصل الى طرابلس القذافي لاجئا, مشردا, هاربا من المجازر الطائفية, واستجار بملك ملوك افريقيا أملا أن ينعم بأيام خضراء, تيمنا بالكتاب الأخضر, وبجوار النهر الصناعي العظيم, وما أن هلت نسائم الربيع العربي حتى هبت رياح عاتية, وعواصف عصفت بحياة أبو صرة.. فقد خسر مأواه في ليبيا بسبب فوضى الثورة, فقفز في أول طائرة إلى سوريا, وما أن وصل مخيم اليرموك حتى أقسم أن يموت في بلد العروبة والممانعة, فلم يعد في العمر بقدر ما مضى من اللجوء, وقد اهترأت الصرة على ظهره, وتساقطت منها صور ذكرياته في العواصم العربية.. ثم انفجر بركان سورية, رفض أبو صرة الرحيل وقال: "لن أغادر, لم تعد تحملني قدماي على الهرب", لكن زوجته وأبناءه توسلوا ان يرحل معهم قبل ان يموتوا ذبحا أو قصفا أو جوعا, لم تعد يداه قادرتان على حمل الصرة.. فحملها ابنه, الى قارب سيغادر الى أي شاطئ من شواطئ الدنيا.. ركب أبو صرة وهو ينظر خلفه الى دمشق وهي تحتضر.. والدخان الأسود يلفها وهو يحدث نفسه: ما قصتك يا أبو صرة.. لم تعد عاصمة عربية تحتملك.. ألهذه الدرجة أصابني النحس, أم هو نحس العرب يطاردني.. وفجأة دب هرج ومرج في القارب.. هناك من يغرق. والقارب يجنح.. وجد أبو صرة نفسه وسط المياه, صرخ عليه أبناؤه.. جدف يا أبو صرة, تشبث يا أبي .. لوح لهم بيده مودعا, وصرخ: أنا راجع على فلسطين مع الموج... التيار سيحملني إلى شواطئ فلسطين, ديروا بالكم على الصرة يا أولاد لحين ما ترجعوا على البلاد.