أعادت الحرب على قطاع غزة في السابع من يوليو الحالي، تشكيل خارطة التحالفات مجددا على مستوى الشرق الأوسط، بين داعمين للمقاومة ومعارضين يقفون في صف الكيان على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته.
وفي الوقت الذي بدأت تتحرك فيه الدول الصديقة لغزة (قطر- تركيا) لوضع حد للعدوان، تداعت أطراف حليفة لـ(إسرائيل) على رأسها مصر من أجل وضع مسودة تهدئة، تهدف إلى وقف إطلاق النار، بعيدا عن دفع (إسرائيل) للثمن المتمثل في فتح معابر قطاع غزة، والسماح للمصلين الفلسطينيين بالصلاة في المسجد الأقصى، والكف عن التدخل في المصالحة الفلسطينية.
تلك المبادرة التي جاءت على حساب الدم الفلسطيني مرضاة للاحتلال والولايات المتحدة الحليف الأول والدافع الأساس وراء تحرك "مصر السيسي"، باتجاه تهدئة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، رفضتها المقاومة جملة وتفصيلا على اعتبار أنها لا تلبي طموح المحاصَرين في غزة.
وبدا واضحا من خلال التسريبات الإعلامية أن تلك المبادرة كتبت في ليل، عبر اتصالات أجريت بين القاهرة و(تل أبيب)، وبإشراف المقاطعة في رام الله، دون أن يجري التشاور مع المقاومة أصلا، صاحبة القول الفصل في قرار وقف إطلاق النار.
اليوم وعلى ضوء التحركات القائمة في المنطقة لغاية وقف العدوان بأي شكل من الأشكال تحت وقع ضربات المقاومة، اصطفت السعودية والإمارات في الحلف المصري-الإسرائيلي، طمعا في القضاء على حماس، بصفتها آخر معاقل الإخوان المسلمين بالمنطقة، بينما ابتعدت الكويت قليلا عن المحور الخليجي-المصري، وفق ما يقول الكاتب سمير حجاوي، والاقتراب قليلا أيضا من محور قطر- تركيا.
ويتوقع حجاوي أن يكون اجتماع أمير الكويت الليلة الماضية مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، قد جاء بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لإقناع حماس بالتهدئة، مشيرا إلى أن المحور الخليجي المناهض للإخوان قد خسر الساحة الفلسطينية.
ويبدو واضحا أن الحمائم لا تزال على موقفها الرامي لثني المقاومة الفلسطينية عن موقفها من التهدئة، فيما يصر حلف الصقور على ضرورة أن تحصل غزة على الثمن الحقيقي، مقابل أن تنعم (تل أبيب) بالهدوء.
وتشير مصادر فلسطينية مطلعة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعمل جاهدا لجذب المقاومة إلى ورقة التهدئة التي صاغتها المخابرات المصرية، في لعبة أقرب إلى شدِّ الحبل، مؤكدة أن المقاومة تضرب عرض الحائط بالورقة، التي قالت إنها "لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به".
وتشير المصادر إلى أن "السيسي" يحاول أن يدخل مجبرا تحت وطأة الرغبة الأمريكية، ليكون حليفا في فض الصراع، على اعتبار أن البوابة المصرية هي نافذة غزة على العالم، وبالتالي من هنا تأتي إمكانية لي ذراع المقاومة في الإبقاء على معبر رفح مغلقا، ما لم تستجب المقاومة لشروط التهدئة وفق المعايير المصرية.
غير أن نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد نخالة، ردَّ على ضغوط (إسرائيل) وعباس والطرف المصري بالعودة إلى تهدئة عام 2012، قائلا "هذه الاتفاقية أصبحت خلف ظهورنا".
وعلى ضوء ذلك يتساءل الكاتب إبراهيم الأمين: "هل يُعقل أن يخرج من بين المقاومين من يقول إن أيام حسني مبارك كانت أفضل بكثير على أهل قطاع غزة، وعلى المقاومين في داخله؟ ثم يستطرد بالإجابة: "نعم، مع الأسف، هذه حقيقة قائمة اليوم".
ويشير الأمين -في مقال له- إلى أن ما قام به الحكم المصري، سواء في عهد "حكم المرشد" أو في عهد "حكم الجنرال"، لم يكن إلا وبالا على أهل غزة وعلى المقاومين فيها، موضحا أن مجموعة السيسي تستمد سلطتها من بناء علاقة استراتيجية وتفاعلية مع الولايات المتحدة، وترى أن إرضاء واشنطن، له باب واحد: عدم استعداء (إسرائيل).
وقال: "إذا كان المطلوب أميركيا وإسرائيليا معاقبة المقاومة في غزة، يمكننا القول هنا صراحة، إن مجموعة السيسي، التي ربطت بين أهل غزة وبين حماس، لم تنتبه إلى أنها صارت في الخندق نفسه مع الإسرائيليين الذين لا يميزون بين حماس وبين أهل القطاع".
وحملت تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، التي قال فيها "إن المنطقة أمام اتفاق صليبي جديد"، دلالة قوية على إعادة تشكُّل الحلفاء من جديد، وأن الصمت العالمي بات يشكل غطاء للعدوان على القطاع.
إزاء ذلك يتبين أن الرابح الوحيد من حلفاء اليوم هي قطر، فيما تحاول الكويت "لملمة الدور" وصناعة موقف في المنتصف بين قطر والسعودية، لكن الأبعد من ذلك كله هو أن الحلف الشيطاني الذي تقوده (إسرائيل) بعضوية كل من مصر السيسي والسعودية والإمارات والسلطة الفلسطينية وخلفهم البحرين والأردن، بدأ يتفتت على وقع صمود المقاومة، مما جعل من "حماس" عنوانا للمشهد القائم، وصاحبة القول الفصل فيما يتعلق بمستقبل المرحلة المقبلة.