جراح نازحي الشجاعية "لن تندمل" !

نازحون من الشجاعية
نازحون من الشجاعية

غزة- أحمد الكومي

نهاية خط النزوح الجماعي لسكان حي الشجاعية، كانت عند مجمع الشفاء الطبي غربا. حطَّ النازحون رحالهم بعدما قطعوا نحو 5 كيلومترات مشيا على الأقدام. أغلبهم خرجوا من بيوتهم حُفاة. المدة الزمنية التي كان سينظر فيها أحدهم إلى قدميه ليرتدي حذاءه كانت كفيلة بأن تضعه لغزارة القصف، في عِداد الشهداء، أو الجرحى إن ابتسم له القدر.

في حديقة خلف المبنى الرئيسي بمجمع الشفاء، ألقى النازحون بأجسادهم المُثقلة على أرض مفروشة بالعُشب الأخضر. كان العُشب حنونا على أبدانهم التي اكتوت بنيران آليات إسرائيلية اصطفت خلف الحدود وبدأت بالتتابع تقذف ما في بطنها على الآمنين.

بدا النازحون خلف المبنى الرئيسي، كطفل صغير يختبئ خلف والده هربا من عقاب أمه. الفارق، أنهم لم يقترفوا ذنبا ليعاقبوا بهذه القسوة.

إحدى وكالات الأنباء العالمية، رصدت شوارع مدينة غزة حين بدأ نزوح آلاف العائلات من الشجاعية. وصفت المشهد في ثلاث كلمات.. "أشبه بيوم الحشر" !

حجم الدمار الذي خلّفه القصف في الشجاعية جعل بعضهم يصف الحي بأنه تحوّل إلى "ضاحية جنوبية جديدة"، نسبة إلى الضاحية اللبنانية التي أصبحت أثرا بعد عين، بفعل حرب تموز 2006. عامل مشترك بينهما، هو أن معول الهدم "إسرائيلي".

أول شيء ربما من الواجب على كل نازح فعله بعد أن تخمد الحرب ويعود أدراجه، أن يتوجه لإصدار شهادة ميلاد جديدة. فالموت كان في حيّهم يقطف بالعشرات. رقم الجرحى غادر خانة العشرات إلى المئات. حصيلة وزارة الصحة غير النهائية تحدثت عن ارتقاء 90 شهيدا في الحي، والحديث يدور عن شهداء مازالوا تحت الركام، يعجز المسعفون عن انتشالهم.

كانت أشعة الشمس عمودية على النازحين في "الشفاء" منتصف النهار. احتمى الجميع بالأشجار التي زُرعت لتكون سورا للحديقة. لكن ظلالها لم تتسع للجميع. هنا، تدخلت الأغطية، فصنعت العائلات منها خيما صغيرة، جنَّبتها قيظ الظهيرة.

الانتظار سيد الموقف. الكل ينتظر رسولا ينقل لهم أخبار مباحثات التهدئة. لم تفارق سماعة الهاتف أذن النازح شفيق أبو عَمر (43عاما)، الذي يقطن أسفل تل المنطار شرق الشجاعية (يرتفع نحو 85 مترا).

في رواق بالحديقة، تبادلت "الرسالة نت" أطراف الحديث مع أبو عَمر. يحمل الرجل همَّ 20 فردا، هم كل أسرته. أثناء هروبهم من القصف العشوائي، سجلت قلوبهم أرقاما قياسية في عدد دقاتها. وصلوا كلهم سالمين إلا ابنه محمد (7أعوام). أصيب في قدمه.

ساعة ونصف استغرق وصول أسرة أبو عَمر إلى "الشفاء". هي الآن لا تملك شيئا. تفتقد المأوى، فليس في جيبها ما يسمح لها باستئجار بيت. الأهم، أنها لا تملك ما تكسر به صيامها، الخبز. كل النازحين يفتقدون الخبز لكنهم مشبَّعون بالكرامة.

صوت بكاء قطع حديثنا. دخل الرواق خمسة رجال يحملون والد أحد الشهداء مغشيا عليه. صرخ أحدهم: "لا أحد يقترب، دعوه يتنفس، ابتعدوا عن مصدر الهواء". مرت دقائق ثم استفاق الرجل وراح يتوسل نظرة أخيرة على ابنه. فركوا على صدره وقالوا له: "ما تزعل، ابنك عايش في الجنة الآن.. ابنك عند ربه".

في الجوار، كانت العجوز النازحة فوزية حمام (65 عاما) تراقب المشهد. تأثرت وبكت لكنها لم تذرف دمعا. نضب الدمع في عينيها بعد الألم الذي عاصرته. مجزرة الشجاعية كافية لجفافه.

"ليلة سوداء كانت علينا"، هكذا وصفت العجوز ليلة الهروب. مطمئنة هي الآن لخروج أبناءها وأحفادها بسلام. لكنها "مقهورة" لما يجري. قالت بالهدوء الذي يحمل كل معنى الغضب: "طخوا علينا يما، أجبرونا نطلع من دارنا، ما خلو شي، ماااااا خلو شي".

أكثر ما يقلق العجوز، شح مقومات الصمود، فلا غطاء يحمي جسدها الهزيل برد الليل، ولا وسادة تمنح رأسها قسطا من الراحة.

لوحظ غيابا واضحا للأزهار في الحديقة. يبدو أنها تشاطر النازحين وجعهم. رائحة الموت المنبعثة من ثلاجات الموت المجاورة للحديقة استوطنت المكان. أمام أعين النازحين، يدخل شهيد ويخرج آخر.

استوقفتنا هناك امرأة نازحة، اعتقدت أننا نتبع لمؤسسة إغاثة. كانت تبحث عن ابنين لها. تُدعى هويدة أبو القمبز (51عاما)، وتقطن في شارع المنصورة بالشجاعية. تقول إن ابنيها لم يخرجا من البيت أثناء القصف، بقيا ينقذان الجرحى وينشلان الشهداء، ولم أراهما منذ نزحت إلى هنا.

لاح أحد أبناءها النازحين معها من بعيد، فهرعت إليه: "أه يما، عرفتوا عنهم شي؟". كان الجواب بالنفي. ربط الصمت لسانها، وانطوت على نفسها بجوار سياج حديدي. أسندت إليه رأسها وشاحت بنظرها إلى السلالم المؤدية للحديقة، ترقب قدومهما. هي تؤمن بذلك ولن تمل الانتظار.

جراح نازحي الشجاعية لن تندمل بعودتهم فقط. ستبقى غائرة إلى أن ينهض حيّهم على أقدامه. وحتى لو نهض، من يداوي قلب أم فقدت ولدها، وأب فقد أسرته، وطفل أضحى يتيما؟. لن تجف الدماء، ولن تنسى الذاكرة.

(عدسة: محمود أبو حصيرة)