يبلغ من العمر 42 عاما

الأول على الإسلامية: تفوقت لأن في بيتنا نافذة جمعت خيوط الشمس

 غزة – الرسالة  

   كثيرة هي الليالي المقمرة التي جمعت عائلة "ماجد رجب سكر"، وكان محور أطراف حديثها يحثه على الالتحاق بالجامعة الإسلامية لمواصلة مسيرته التعليمية، وحظ ماجد السعيد أنه يوجد في بيتهم نافذة يبدو للعيان أنها ليست كأي نافذة، فكلما أظلمت الدنيا واشتد دجاها جمعت ما تبعثر من خيوط ضوء شارد تفرق عشرين عاماً، ومن خلف النافذة كانت ابتسامة "الحبيب أكرم" تعلو محياه قائلة: "هيا يا ابن خالتي لن تفتر العزيمة ولن يتبدد الأمل"، وفعلاً اقترن العزيمة والأمل، وأنجبا تفوقاً لم يأت به ثمانية وعشرون فوجاً للتخرج زفت خلالها الجامعة الإسلامية نحو ثلاثة وثلاثين ألف خريج وخريجة، ومن حسن الطالع أن يكون الماجد ماجد أول الذكور الذين ظفروا بالمركز الأول على الجامعة، بعد أن انفردت به الطالبات لمدة سبعة وعشرين فوجاً، فكان أول أوائل الجامعة الإسلامية وحصل على معدل (98.08%) فقط في ثلاث سنوات دراسية، وانطبق عليه قول القائل:

وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل

انطلاق القطار

استوقف ماجد قطار ذكرياته أمام مدرسة يافا الثانوية للبنين عام 1985م عندما تخرج من الفرع العلمي في الثانوية العامة بمعدل (81%)، ليلتحق بعد ذلك بجامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، ويدرس فيها قرابة عامين، ثم يتوقف عندما أغلق الاحتلال الجامعة بعد اندلاع الانتفاضة الأولى.

دولاب الماكنة

المحطة الثانية في رحلة قطار ذكريات ماجد كانت بعد عودته إلى حي الشجاعية حيث تقطن أسرته، وبدأ الدولاب يدور... ماكنة، اثنتان، ثلاثة، وتساءل الجيران ما هذا الصوت المنبعث من المنزل؟! يا... ما أجمل هذه الملابس! ... هذا تمام! لقد قهر ماجد ظروفه الصعبة، وتغلب عليها، وأصبح يعمل خياطاً، ويبدو لأن ماجد كان ذواقاً عذب الكلام، كيف لا وهو منحدر من نسل عائلة "سكر"، فقد شاع صيته، وتوسع معمل الخياطة في المنزل، وفرحت الماكنة الأولى فقد أصبح لديها زميلات يتنافسن وإياها.

لم يرق للحصار المفروض على قطاع غزة تدفق تلك الروافد فجفت ينابيعها، ودار دولاب عجلة ماكنة الخياطة للمرة الأخيرة وتوقف.

 

بابا طالب نابغ

المحطة الثالثة في رحلة قطار ذكريات ماجد كانت عندما استيقظ كل من: "هاني، وفادي، وشادي، وغادي، ومحمد، ورجب، وولاء، ورواء" قائلين:" تحفك رعاية الرحمن يا بابا ستكون الطالب النابغ في الجامعة الإسلامية، وسنحتفل عند تخرجك وسنوزع الحلوى".

صرير القلم يلتهم الورقة

انتقل ماجد إلى محطة ذكرياته الرابعة يوم استقل مركبة عامة نقلته إلى الجامعة الإسلامية، ووطأت قدماه أرضها كطالب في يومه الأول، جلس ماجد في القاعة... تسارعت نبضات قلبه... فرق السن بينه وبين زملائه بدا واضحاً بمجرد النظر إلى قسمات وجهه، استطاع ماجد أن ينصهر في جو الحياة الجامعية بشخصيته الاجتماعية والثقافية، وما أن جاء موعد الامتحان النصفي الأول حتى كاد صرير القلم أن يلتهم سطور ورقة الإجابة، وذكر ماجد أنه بعد إعلان نتيجة الفصل الأول وحصوله على معدل (98.47%) كان المعدل بمثابة رافعة لمعنوياته وهتف لن أكل ولن أمل سأتفانى، وابتسم قائلاً:" إن نظام المنح الذي توفره الجامعة بدد مخاوفي من شبح الفقر فدرست وفق منحة دراسية كاملة طوال فترة دراستي في الجامعة".

بوح العبرات

وتابع ماجد قائلاً: تفرغت لدراستي، وواظبت على المحاضرات، ووقف بجانبي شخصان يعجز أمامهما لساني عن البوح بما يدور في خلدي تجاههما، ولعل عبرات عيني تفلح في ذلك، الأولى شقيقتي "نافذة" هي نافذة للخير لزوجتي ولأبنائي ولي، أما الثاني فهو الدكتور أكرم حبيب –عضو هيئة التدريس بقسم اللغة الإنجليزية بالجامعة الإسلامية، وهو ابن خالتي الذي ما استكان يوماً عن تشجيعي للالتحاق بالجامعة".

42 عاماً كسرت قيود النكسة

وأما عن ذاكرة الأمس القريب، فقد جلس ماجد في اليوم الأول لاحتفالات تخريج الفوج الثامن والعشرين في المقاعد الأمامية وقد بلغ (42) عاماً، وجال ببصره في القاعة، كان يأمل أن يكون بين محبيه الذين شاركوه فرحته والداه بيد أنهما كانا في ذمة الله، وتذكر كيف أن عام 1967 الذي ارتبط بتاريخ الشعب الفلسطيني بالنكسة، قد تحول إلى ميلاد لكسر قيود اليأس.

انتهى حفل اليوم الأول عاد ماجد إلى البيت، ووجده قد تحول إلى ساحة للفرح، كيف لا وقد أعدت زوجته كميات كبيرة من الشراب، وأحضر الأحبة الحلوى، التي حلت ضيفة على معدة ماجد وأحبته وجيرانه وأصدقائه.

وأمام هذه المحطة نظر ماجد من القطار صوب طلبة الجامعة وأنشد قائلاً