تصغير الخط تكبير الخط
غزة- تحقيق نور الدين صالح

مواسير غطاها الصدأ ..  خراطيم مياه ملاقاة على الأرض، علاوة على تراكم النفايات على أرضية بعض المحطات الطينية بالأساس، مشاهد عاينها مراسل "الرسالة" أثناء جولته على عدد من محطات تحلية المياه في مختلف محافظات قطاع غزة، موثقة إياها بالصور.

وتبين للرسالة التي أجرت تحقيقاً حول مدى مراعاة محطات تحلية المياه لشروط الصحة والسلامة وجودة المياه، أن أكثر من نصفها غير مرخص، الأمر الذي يثير التساؤلات عن دور الجهات المسؤولة والمعنية، ومدى متابعتها لهذا الأمر، لاسيما أن الأمر يمس صحة المواطنين بالدرجة الأولى.

وتنتشر محطات تحلية المياه في قطاع غزة باعتبارها خيارا وحيدا يعتمد عليه غالبية السكان في ظل تدهور الوضع المائي والتلوث الذي وصل إلى 97% من كمية المياه الجوفية المتوفرة في القطاع، حيث تباع المياه المحلاة عبر ناقلات متجولة نظرًا لملوحة مياه البلدية وعدم صلاحيتها للشرب، الأمر الذي شكل فرصة استثمارية وتجارة رابحة للبعض بعيداً عن معايير الجودة والنظافة المتعارف عليها في هذا المجال.

وما زاد الطين بلة هو الانتشار العشوائي لبعض المحطات في الطرقات والشوارع، وهو ما يخالف شروط السلامة التي وضعتها سلطة البيئة لجودة المياه الناتجة عنها.

 

غالبيتها غير مرخص

شكاوى عدة رصدها معد التحقيق من مواطنين تحدثوا فيها عن رداءة المياه الواصلة لمنازلهم من سيارات التوزيع التابعة لمحطات التحلية، حيث يعاني عدد كبير منهم من وجود شوائب في المياه، علاوة على اصفرارها بعد مضي أيام ما يضطرهم إلى التخلص منها وتغييرها.

الشكاوى السابقة قد لا تكون مستهجنة خاصة وأن دراسة تابعة لسلطة المياه أكدت أن عدد محطات التحلية يقرب من 200 محطة، موزعة على جميع محافظات القطاع، المرخص منها 56 محطة فقط. وبحسب الدراسة فإن السلطة أغلقت عددا منها بعد المتابعة إلا أن ما خفي كان أعظم.

وعِلمت "الرسالة" أن ترخيص المحطات يجري على أنها حرفة تابعة لبلديات القطاع وهو ما أكدته بلدية غزة التي أوضحت أنها تعطي الترخيص للمحطات التي تتلاءم مع الشروط المطلوبة والتي حددتها سلطة المياه الفلسطينية.

وبحسب مدير دائرة التنظيم في بلدية غزة مؤنس فارس فإن عدد المحطات المرخصة لدى بلديته 26 محطة على مستوى المحافظة.

ولاحظ معد التحقيق خلال جولة أجراها على معظم محطات التحلية في مختلف محافظات غزة، اختلاف جودة المياه الناتجة عنها، حيث أنها لا تعتمد على معايير موحدة في الجودة، فضلاً عن كونها منتشرة بشكل عشوائي في القطاع، ولا تراعي شح المياه الجوفية في قطاع غزة عند اختيار أماكن وجودها وهو ما يعاظم أزمة المياه التي يعاني منها سكان القطاع.

"البيئة": لا معايير محددة لأماكن تواجد المحطات

 

وهو ما أكدته أيضا سلطة البيئة على لسان تامر الصليبي مدير دائرة جودة المياه، والذي أشار إلى أن محطات التحلية أصبحت في الوقت الراهن عبارة عن مشروع استثماري بهدف الربح، موضحاً لـ "الرسالة نت"، أن أصحاب تلك المشاريع لا يلقون بالاً إلى مدى صحة المكان الذي ستقام به المحطة، مضيفاً "من المفترض أن تكون المحطات في مناطق توجد بها مياه مالحة إلى حد ما، كي لا تتسبب باستنزاف لمياه الخزان الجوفي".

وأرجع أسباب عشوائية أماكن تواجد المحطات إلى عدم وجود معايير محددة وواضحة من سلطة المياه، وهي الجهة المسؤولة بالدرجة الأولى، متابعاً "نحن الآن بصدد عمل آلية لتوحيد الأماكن التي توجد فيها المحطات، بناءً على جودة المياه الموجودة في المناطق".

وبيّن أن المواطن المُقبل على فتح المشروع يلجأ للمناطق التي تتواجد فيها المياه الحلوة، حتى يخفف من أعباء التكلفة المالية الواقعة عليه، وتقليل عدد المرات التي يتم فيها تغيير الفلاتر، مشيراً إلى أن طواقم سلطته تعمل أيضاً على توجيه المُقبلين على فتح مشاريع محطات التحلية، إلى ضرورة اختيار المكان المناسب.

مياه ملوثة

العديد من الدراسات التي اطلعت عليها "الرسالة" أكدت وجود تلوث في مياه محطات التحلية، فيما يعاني بعضها من نزع الأملاح بشكل كلي النافع منها والضار وهو ما يتسبب بأمراض وهشاشة عظام لمتناوليها، وفي هذا الإطار يؤكد د. أحمد حلس الخبير في المياه بغزة، وجود تلوث كبير في غالبية محطات التحلية في قطاع غزة، مبيناً أنه أجرى عدة دراسات أثبتت ذلك.

وقال د. حلس في حديث لـ "الرسالة نت": "وجدنا من خلال بعض الدراسات أن المياه التي تدخل للمحطة أفضل من الخارجة منها بعد عملية التحلية"، لافتاً إلى أن التحلية تعتمد على نظام النزع الميكانيكي، موضحاً أن عملية النزع الميكانيكي لا تراعي النسب المطلوبة باحتياجات المواطن للأملاح أو غيرها من المعادن، حيث أنها لا تعطي تلك المواد بنسب مدروسة وبحسب حاجة المواطن لها.

خبير: غالبية محطات التحلية في قطاع غزة ملوثة وسبب رئيسي للأمراض

 

ولفت إلى أن المياه الناتجة من بعض المحطات لا تحتوي على كالسيوم وأملاح وبوتاسيوم وغيرها من المعادن، معتبراً إياه "شبه مقطرة وغير صحية"، كما كشف د. حلس عن وجود ما نسبته 20% من محطات التحلية تكون المياه الناتجة منها عُرضة لتلوث بيولوجي.

وبيّن أن الحل يكمن عبر تحلية المياه من خلال عملية كلورة، والتي تعمل على التخلص من التلوث البيولوجي إضافة إلى أنها تعمل على قتل الميكروبات والفيروسات، مبينا أن المحطات لا تستخدم تلك الطريقة نزولا عند رغبة المواطنين الذين يرفضون طعم الكلور في المياه.

وأشارت دراسة صادرة عن الجامعة الإسلامية نهاية عام 2013 حملت عنوان "مشاريع تحلية المياه في قطاع غزة، دراسة جغرافية" إلى أن غالبية القائمين على محطات التحلية ليسوا متخصصين بالمجال، كما أنهم غير مدربين على عملية التحلية وهدفهم من إنشاء المحطات الاستثمار.

وأكدت الدراسة أن العديد من المحطات لا تتوفر بها النظافة التامة، كما أنها لا تستخدم غطاء خاصا بالبئر، فيما تعتمد على موزعين لا تتوفر في سيارتهم النظافة، كما أنهم لا يغسلونها بشكل يومي كما تشترط معايير النظافة.

أصحاب المحطات

وفي إطار متابعة "الرسالة" لهذه القضية استمعت لآراء أصحاب محطات التحلية، فوفق عبد الكريم النجار (54 عاماً)، صاحب إحدى المحطات في محافظة خانيونس، فإن معظم المشكلات التي تواجههم تعود إلى كمية التلوث الموجودة في آبار المياه بالدرجة الأولى.

صاحب محطة: معظم المحطات لا تضع المياه الخارجة من البئر في خزان بلاستيكي

 

وأضاف النجار لـ "الرسالة"، أن غالبية المحطات لا تتبع نظام وضع المياه الخارجة من البئر إلى خزان بلاستيكي خارجي قبل دخوله لخزان المياه الأصلي، الموصول بفلتر المياه. كما أشار إلى أنه من الممكن أن يكون هناك خلل في بعض الفلاتر، وهو ما قد يتسبب بوجود بعض الملوثات في الميكروبات، وهو ما يؤكد الشكاوى التي أطلقها المواطنون من ذلك.

وأوضح النجار الذي يمتلك خبرة كبيرة في محطات التحلية، أن عملها يبدأ بسحب المياه من البئر، ومن ثم دخولها إلى فلتر مياه لتنقية المياه من الشوائب والأتربة والغبار، ومن ثم الانتقال إلى فلتر ذو تنقية أكثر.

ولاحظ مُعد التحقيق خلال جولته في المحطة، أن الخزانات التي توضع فيها المياه بعد التحلية، معرضة للشمس، وهو ما قد يؤثر على جودة المياه المحلاة، بحسب موظفي سلطة المياه الفلسطينية.

آلية عمل المحطة

وشرح مدير دائرة جودة المياه الصليبي آلية عملية تحلية المياه في المحطات، قائلاً: "إن عملية التحلية ينتج عنها مياه عذبة (محلاة)، ومياه شديدة الملوحة، حيث تسمى تلك العملية بنظام التناضح العكسي".

ويُعرف التناضح العكسي بأنه عبارة عن دخول مياه البئر من مياه الخزان الجوفي، التي تحتوي على بعض النسب المرتفعة من الملوحة إلى المحطة، ومن ثم يتم استخراج المياه المحلاة.

وأضاف أن ما يهمنا بعد تحلية المياه، هو المياه غير الصالحة للشرب، والتي تتركز فيها نسبة أملاح عالية(..) فكيف يستخدمها صاحب المحطة وأن يتم تصريفها".

"الصحة": نسعى لوجود محطات تحلية مياه آمنة خالية من الملوثات

وكشف خالد الطيبي رئيس قسم المياه في وزارة الصحة، أن معظم المشاكل التي تواجههم خلال زياراتهم الميدانية تتمثل في النوعية البكتيرية (التلوث البكتيري) ودرجة الحموضة، إضافة إلى نقص بعض الأملاح في المياه. وأوضح الطيبي في حديثه لـ "الرسالة"، أنه جرى تشكيل لجنة تضم سلطة المياه وسلطة البيئة ووزارة الصحة، من أجل تنفيذ جولات ميدانية على محطات التحلية ومتابعتها بشكل مباشر. وأشار إلى أن مهمة اللجنة المتابعة والمراقبة الدائمة والكشف عن بعض المشكلات التي تؤثر على المحطات، والمياه المحلاة.

وأكد أن وزارته تسعى لوجود محطات تحلية مياه آمنة خالية من الملوثات، التي من شأنها أن تضر بحياة الانسان، لافتاً إلى أنها تحاول العمل بالمستوى المعمول في بعض الدول الأخرى، وذلك من خلال وضع مواصفات وشروط على المحطات.

وبيّن الطيبي أنه في حال ضبط أي محطة مخالفة للشروط، يتم تشكيل لجنة فوراً لاتخاذ القرار المناسب بحقها، والذي قد يصل إلى إغلاقها بشكل كامل من خلال سلطة المياه وهي الجهة المخولة، إلى حين حل الإشكالية والتأكد من صحتها.

وبحسب الطيبي، فإن معدل التلوث في محطات التحلية وفق إحصائية عام 2015، وصل إلى 7%، معتبراً إياه بـ "الوضع المقبول"، مقارنة مع النسب العالمية. ونبّه إلى أن تلك الكمية الموجودة في المحطة تزداد عند وضعها في سيارة المياه لتصبح 10%، وتزداد أكثر عن وضعها في خزانات المواطنين لتصبح 12% وهو ما قد يشكل خطراً ويتسبب بتلوث المياه.

كما كشف عن عدم وجود شروط محددة من سلطة المياه الفلسطينية على أماكن تواجد المحطات، مشيراً إلى أن المحطات تُقام وفق أهواء أصحابها دون الالتفات إلى مدى صحتها.

الأمراض والمخاطر

أما فيما يتعلق بالمخاطر التي تسببها المياه الناتجة بعد التحلية، فإن د. حلس يوضح أن المياه المحلاة تفتقد لوجود بعض المعادن وهو ما يشكل خطراً كبيراً ويجعلها غير صحية، مشيراً إلى أن المياه الموجودة في البئر تكون مليئة بالنترات بتركيز عالي، وهو ما لا تتمكن بعض المحطات من التخلص منه.

ولفت إلى أن النترات تُختزل في معدة الأطفال الرضّع، مما يؤدي إلى ازرقاقهم، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تخلف عقلي، منوهاً إلى وجود كثير من المحطات لا تراعي نسب صحيحة من المعادن والأملاح وغيرها، وهو ما يجعل المياه "غير صحية".

وبيّن أن عدم وجود هذه النسب من الأملاح والمعادن، يتسبب بأمراض كثيرة في الكلى والكبد، وربما تصل إلى مرض السرطان. وأرجع أسباب كل ذلك إلى غياب الوعي والمراقبة والمتابعة المستمرة، من الجهات المختصة، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من المحطات يجب إغلاقها نظراً لرداءتها في التحلية.

واختتم د. حلس حديثه، مطالباً بضرورة إيجاد حلول استراتيجية لمشكلة المياه في قطاع غزة، من خلال إقامة مشاريع تحلية بمواصفات عالمية، مؤكداً أن الاحتلال الاسرائيلي السبب الرئيسي لمشكلة المياه في غزة. ودعا إلى ضرورة حماية الموارد الطبيعية من التلوث، بهدف الحفاظ على مياه صحية.

 معايير محددة

وبعد جولة اجريناها على عدة محطات، واطلعنا على المشكلات المتعلقة بالمحطات وضعناها على طاولة سلطة المياه الفلسطينية والتي تعتبر الجهة الرقابية الأولى على مشاريع المحطات في جميع محافظات غزة.

سلطة المياه: تشكيل لجنة لمراقبة عمل محطات التحلية

وفي هذا الإطار أكد د. منذر سالم مدير عام الإدارة العامة للتخطيط في سلطة المياه، أن هناك معايير محددة وواضحة لعمل المحطات في القطاع، مشدداً على ضرورة الالتزام بها. وأوضح أن كثرة محطات التحلية في الآونة الأخيرة تعود إلى أنها أصبحت مشاريع استثمارية، مشيراً إلى أنها تعتبر حرفة لا يمكن الاستغناء عنها في ظل سوء أوضاع المياه في فلسطين في الفترة الراهنة.

وأشار إلى أن المحطات تنقسم إلى عدة أنواع، وهي محطات تحلية خاصة، وهناك محطات تحلية تابعة لمؤسسات ومدارس ووزارات، وهناك محطات تحلية منزلية. ولفت إلى أن وزارته تنفذ جولات ميدانية على جميع المحطات (المرخصة وغير المرخصة) مرتين في الأسبوع، كل اثنين واربعاء في الاسبوع، من الشمال إلى الجنوب.

الإجراءات العقابية

وأكد أن سلطة المياه تتخذ إجراءاتها القانونية ضد أصحاب المحطات المخالفة، مشدداً على أنها لا تتوانى عن محاسبة المخالفين، ومضى يقول: "في حال إبلاغنا عن أي مخالفة يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة فورا".

وتتمثل تلك الاجراءات بإخطار صاحب المحطة وتعريفه بالخطأ وطلب التعديل، وفي حال عدم استجابته، يتم تحويله إلى النيابة وقد تصل الأمور إلى إغلاق المحطة لفترة معينة أو بشكل كامل.

وأوضح انه يتم التعامل مع المحطات غير المرخصة من خلال الإخطارات العدلية، ومن ثم إجباره على الترخيص.

ولفت إلى أن تكلفة ترخيص المحطة تبلغ 1200 شيكل، فيما تبلغ تكلفة ترخيص البئر 4000 شيكل. من جانبها، أكدت وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، أنها تتابع محطات التحلية، وتواصل أخذ عينات المياه بعد التحلية، لفحص نسبة النيترات الموجودة فيها.

"الاقتصاد": لن نتردد بإغلاق أي محطة مخالفة للمواصفات الفلسطينية

وشدد عماد الباز الوكيل المساعد في الوزارة على ضرورة أن تكون النسبة الموجودة في المياه وفقاً للمواصفات الفلسطينية. وقال الباز لـ "الرسالة": "لن نتردد في اتخاذ الاجراءات القانونية والتي قد تصل لإغلاق المحطة إذا ثبت لدينا أنها تبيع مياه غير مطابقة للمواصفات الفلسطينية".

وأضاف "يجب أن يمتلك أصحاب المحطات سجلاً تجارياً في وزارة الاقتصاد"، مشيراً إلى أنه سيتم مطالبتها بضرورة تفعيله.

وختامًا، فإن الدراسة التي حصلت عليها "الرسالة" أوصت بضرورة ترخيص جميع محطات تحلية المياه الجوفية في قطاع غزة من سلطة المياه الفلسطينية، وضرورة تقليل كميات المياه العادمة الناتجة عن محطات التحلية من خلال رفع كفاءاتها.

كما أكدت على ضرورة إعادة استخدام المياه العادمة ذات الملوحة المنخفضة 2000(TDS) ملجم/ لتر في الزراعة أول للأغراض المنزلية. وشددت على منع انشاء وترخيص محطات جديدة لتحلية المياه الجوفية والاكتفاء بترخيص المحطات القائمة لمنع مزيد من هدر المياه.

لكن من الملاحظ أنه لا يزال هناك تزايد في أعداد المحطات في محافظات غزة، وهو يخالف ما أوصت به الدراسة، والذي من المتوقع أن يؤدي إلى اهدار كميات كبيرة من المياه، لاسيما في ظل انهيار قطاع المياه في غزة.

ويتطلب ذلك تحركاً جدياً من المسؤولين والجهات ذات الاختصاص لمتابعة محطات التحلية لضمان جودتها، وضمان سلامة المواطنين.