يرى الكاتب والمفكر المغربي كمال عبد اللطيف أن معركة "طوفان الأقصى" التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن حدثاً عابراً، بل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ومرحلة جديدة في طريق التحرير الطويل الذي بدأ منذ النكبة.
ويؤكد عبد اللطيف في مقاله المنشور على موقع العربي الجديد أن المقاومة كانت على وعيٍ كامل بصعوبة المواجهة التي قررت خوضها، لكنها اختارت أن تكسر حالة الجمود وتعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العربي والعالمي.
من الانتفاضة إلى الطوفان
وفي مقاله بعنوان «في الطريق الطويل إلى تحرير فلسطين»، يذكّر عبد اللطيف بالأجيال المتعاقبة من المقاومة الفلسطينية التي خاضت انتفاضاتٍ وانتكاساتٍ متتالية، وصولاً إلى ما يسميه “الطوفان”، باعتباره حلقة جديدة في سلسلة الكفاح الطويل ضد المشروع الصهيوني والاستعمار الاستيطاني.
ويقول إن من حق المقاومة أن “تُفجّر مياه الطوفان لمحو أساطير الصهيونية المرتبطة بالمشروع الإمبريالي الغربي”.
ويضيف أن خطة وقف الحرب التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودخلت حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ليست سوى امتداد لنهج الهيمنة الغربية، إذ تعكس ما يسميه بـ“الوصاية الأمريكية على غزة”، وتؤكد أن الحديث عن “سلام وازدهار دائمين” ليس سوى غطاء لإدامة السيطرة الاستعمارية.
وصاية بوجه جديد
ويؤكد عبد اللطيف أن ما يُسمى بـ“خطة السلام” التي رعتها الولايات المتحدة بمشاركة مصر وتركيا وقطر لا تفتح أفقاً حقيقياً للسلام، بل تفرض واقعاً جديداً من الوصاية الأجنبية على القرار الفلسطيني، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الحرب بل “نهاية مرحلة من الاحتلال وبداية أخرى بوسائل مختلفة”.
ويرى أن هذه الخطة تضع المنطقة أمام زمن مراجعة تاريخي، يستوجب التفكير في مصير المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبل المقاومة، داعياً إلى تقييم ما تحقق وما خسرته القضية بعد عامين من العدوان، من تهجير وتجويع وتدمير ممنهج للبنية الفلسطينية.
مراجعة شاملة
ويدعو الكاتب إلى مراجعة وطنية فلسطينية جذرية، تتناول الأداء السياسي للمؤسسات والفصائل، وتعيد النظر في خيارات أوسلو والتسوية التي “جمدت الصراع ولم تُنهِ الاحتلال”.
ويعتبر أن اللحظة الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني على أسس المقاومة والصمود، بعيداً عن الارتهان للوعود الدولية أو للأنظمة العربية “المذهولة والمطَبِّعة”.
كما يشدد عبد اللطيف على أن المقاومة ليست خياراً عسكرياً فحسب، بل مشروع تحرري شامل “يصنع التاريخ بالأحداث والتحولات والمراجعات”.
ويؤكد أن الطوفان أعاد الروح إلى القضية بعد أن ظنّ كثيرون أنها انتهت، وذكّر العالم بأن فلسطين لا تزال تحت الاحتلال وأن شعبها مصمم على نيل الحرية.
الواقع العربي بين التطبيع والذهول
وينتقد عبد اللطيف حالة “الذهول العربي” التي أصابت معظم الأنظمة، والتي مكّنت "إسرائيل" من التمدد واختراق العواصم العربية تحت عنوان “اتفاقيات التطبيع”.
ويرى أن على الأنظمة التي قيّدت نفسها بتلك الاتفاقيات أن تراجع خياراتها في ضوء ما كشفته الحرب من جرائم إبادة وتواطؤ دولي.
ويضيف أن ضعف الموقف العربي الرسمي، وتراجع الدعم الشعبي المنظم لفلسطين، جعل مهمة المقاومة أكثر صعوبة لكنها أكثر شرعية أيضاً، إذ تحولت من خيار سياسي إلى حالة وجودية تحافظ على كرامة الأمة وهويتها.
جيل جديد من المقاومة
ويشير عبد اللطيف إلى أن الشباب الفلسطيني في غزة والضفة يحمل اليوم مشعل التحرير بأدوات مختلفة، مستلهماً روح الانتفاضات السابقة، ومؤمناً بأن الصمود ليس مجرد فعل عسكري بل وعي وطني جمعي.
ويقول إن حضور القضية الفلسطينية في ميادين العواصم العالمية، وموجة التضامن الشعبي الدولي، يمثلان تحوّلاً مهماً في ميزان الرأي العام العالمي، ويجب البناء عليه سياسياً وتنظيمياً.
وحدة المشروع ووضوح الهدف
ويختم عبد اللطيف مقاله بالتأكيد على أن الطريق إلى التحرير ما زال طويلاً، لكنه بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فالمراجعة الصادقة، ووحدة الصف الفلسطيني، وإعادة صياغة المشروع الوطني على قاعدة المقاومة الشعبية والسياسية، هي المفاتيح الحقيقية لمواجهة الاحتلال ومشروعه الاستعماري.
ويقول الكاتب في ختام مقاله: "لا ينبغي التفريط في الفعل المقاوم الذي أعاد القضية إلى الوجود، بعد أن اعتقد الإخوة قبل الأعداء أنها انتهت."
بهذا المعنى، يرى عبد اللطيف أن طوفان الأقصى لم يكن نهاية فصلٍ من فصول الصراع، بل بداية الطريق الطويل نحو التحرير الكامل لفلسطين، بكل ما يحمله من تضحيات وصمود وإرادة لا تلين.
ويُعد الكاتب من أبرز الباحثين العرب في الفكر السياسي والفلسفة الحديثة. وهو أستاذ للفلسفة بجامعة محمد الخامس في الرباط – المملكة المغربية، وله مؤلفات عديدة في قضايا الحداثة والديمقراطية والفكر العربي المعاصر.