في صباح الثامن والعشرين من أكتوبر عام 2025، استيقظت غزة على خبر جديد من أخبار الفقد. كان هذه المرة عن الصحفي محمد المنيراوي، ابن النصيرات، الذي طالته غارة إسرائيلية بينما كان يستعد لصلاة الفجر، ليُضاف اسمه إلى قائمة طويلة من الشهداء الصحفيين الذين قضوا وهم يؤدون رسالتهم.
لكن ما يميز قصة محمد، ليس فقط أنه الصحفي رقم 256 الذي يُستشهد منذ بدء الحرب على غزة، بل تفاصيل الوداع التي سبقت رحيله، والتي روتها زوجته بقلبٍ مكلوم وعينٍ مثقلة بالدهشة، وكأنها تروي حكاية من عالمٍ آخر، حكاية إنسانٍ كان يشعر بموعده مع الله.
قبل استشهاده بيوم، عاد محمد إلى بيته في خيمة النزوح بعد يوم عمل شاق في غزة، وقال لزوجته بصوتٍ ممتلئ بالضيق: "مخنوق من غزة.. بديش أضل هناك، بدي أضل عندك."
حضن زوجته وبناته الصغيرات بشوقٍ عجيب، وطلب منها أن تترك له إعداد الفطور، ثم جلس يمازحها وأمها، يضحك بصوتٍ لم يعلُ مثله منذ زمن. بعدها قال ضاحكًا: "جبتلك فرش غاز جديد، وقدّام راحتك ما تسألي عن سعرو."
لم تفهم زوجته حينها أن تلك اللفتات الصغيرة كانت وداعًا ناعمًا، وأنه كان يخبّئ في قلبه يقينًا بأن اللقاء الأخير قد اقترب.
في ذلك اليوم، ملأ محمد البيت بالضحك، بالخبز والشاي والذكريات، ثم بدأ يوصيها بأمورٍ غريبة: كلمات سرّ حساباته، ديونه، ووصيته بوالدته. لم يكن في الأمر ما يثير الريبة في لحظته، لكنه كان يُرتّب رحيله بدقةٍ مؤلمة.
وفي ساعات الفجر الأولى، جلست زوجته تراقبه من بعيد، تراه مضطرب النظرات، كأن عينيه تبحثان عن بابٍ إلى السماء. وما هي إلا لحظات حتى دوّى الانفجار، وارتجّت الخيمة بمن فيها. نهضت وهي تصرخ: "محمد، محمد، وينك حبيبي؟!"
وحين انقشع الغبار، رأته ممددًا، مبتسمًا، وعلى وجهه سكينة من يعرف وجهته. وضعت يدها على صدره، فوجدت النبض يودّعها ببطء. عندها فقط، أدركت أنه رحل.
محمد المنيراوي لم يكن مجرد صحفيّ في صحيفة فلسطين، بل كان شاهدًا على وجع الأرض التي أحبها حتى الرمق الأخير. زملاؤه وصفوه بأنه صاحب الكلمة الصادقة والقلب الهادئ، الذي “لم يكتب يومًا إلا ليُظهر الحقيقة”.
رحل محمد وهو يستعد لصلاة الفجر، وترك وراءه زوجةً تقول: "ارتقيت تنوي الوضوء والصلاة، رحلت بوصية على أمك، ومت على الإسلام والشهادة... الله ما أجملك يا محمد!"