لم تعد الضفة الغربية منطقة هادئة منذ سنوات، فقد تحولت موجة عنف المستوطنين إلى تهديد مباشر للأمن الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء. فتيان التلال، الذين بدأوا نشاطهم في السنوات الماضية تحت مسمى "زعران التلال"، ارتقوا تدريجيًا إلى ما تصفه وسائل الإعلام بـ"برابرة التلال"، بعد أن وجدوا تشجيعًا ضمنيًا من جهات حكومية وسياسية إسرائيلية، أبرزها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي لم يُبذل أي جهد لملاحقة هؤلاء المتطرفين أو محاسبتهم على جرائمهم.
وفق تحقيق نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت"، فإن الجيش الإسرائيلي بدأ يفقد السيطرة على هذه المجموعات، خصوصًا بعد تكرار اعتداءاتهم على الفلسطينيين، والمزارع، والممتلكات، وحتى الجنود والمدنيين الإسرائيليين الذين حاولوا منعهم.
فالتعديات شملت الطعن، وذبح الأغنام، وتخريب الأشجار والمزارع، وإحراق المركبات العسكرية والمدنية، بالإضافة إلى الاعتداء على منازل المدنيين الإسرائيليين، ما يبرز طبيعة هذه المجموعة كقوة متطرفة خارجة عن القانون.
ويقول ضباط الجيش إن تصاعد هذه الأحداث يأتي بعد إطلاق سراح 74 فلسطينيًا في عمليات تبادل، حيث استغل الشباب المتطرفون هذا الانفتاح لتحقيق انتقامهم ضد الفلسطينيين، وفرض هيمنتهم على المستوطنات.
وبحسب التحقيق، فإن بعض هذه الاعتداءات استهدفت حتى الجنود الذين حاولوا الالتزام بالقانون، مما جعل الجيش يعترف بأن الوضع يتجاوز القدرة على السيطرة التقليدية، وأن العنف أصبح "ساديًا" ويتخطى كل الخطوط الحمر.
ويوضح التقرير أن "برابرة التلال" لا يمثلون مجرد طيش شبابي، بل جماعة منظمة تحمل أيديولوجية معادية للمؤسسات، وتعمل بطريقة متعمدة لإرهاب كل من يعارضهم، سواء من الفلسطينيين أو الإسرائيليين.
وقد تم تسجيل نحو 92 حادثة عنف في يونيو/حزيران، و70 في يوليو/تموز، و40 في أغسطس/آب، تشمل إحراق مركبات، وتخريب الإطارات، ورشق الحجارة، وحوادث دهس، بالإضافة إلى هجمات على مراكز شرطة ومنشآت عسكرية.
وفي الوقت نفسه، يرى سكان المستوطنات أن الدعم الضمني من الحكومة ساعد هؤلاء الشباب على الشعور بأنهم "فوق القانون"، مما جعلهم أكثر جرأة في أعمالهم.
ووفق التحقيق، فإن التراخي في محاسبة هذه المجموعات جاء متزامنًا مع سياسات وزير الدفاع كاتس، الذي أوقف استخدام الاعتقالات الإدارية ضد الإرهابيين اليهود المحتملين، مما منح الشباب المتطرفين حرية الحركة دون رادع، وأدى إلى فوضى غير مسبوقة داخل المستوطنات نفسها.
وتشير المصادر إلى أن فتيان التلال باتوا يشعلون العنف ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضًا ضد السكان الإسرائيليين الذين يرفضون الانخراط في أساليبهم العنيفة، وحتى ضد الجنود والشرطة الذين يحاولون الحفاظ على النظام. ففي حادثة واحدة قرب مستوطنة كوخاف هشاحر، هاجم الشباب أحد السكان المحليين، وكسروا نوافذ سيارته ومزقوا إطاراتها، رغم أنه حاول منعهم من الاقتراب.
ويعكس هذا التصعيد حالة من الخوف العام والارتباك بين المستوطنين أنفسهم، الذين بدأوا يدركون أن العنف أصبح يهدد حياتهم وحياة أولادهم، وأن استمرار تشجيع الحكومة لبعض هذه المجموعات سيؤدي إلى نتائج كارثية على المدى القصير والطويل. وتقول مصادر محلية إن "ما بدأ كحركة شبابية صغيرة أصبح الآن قوة فوضوية، قادرة على زعزعة الأمن الداخلي والخارجي للضفة الغربية".
وبالرغم من وقوع هذه الاعتداءات العنيفة والمتكررة، لم تُتخذ إجراءات صارمة بحق هذه المجموعات، ما يعكس ضعف آليات المحاسبة داخل المؤسسات الأمنية والسياسية، واستمرار التواطؤ الضمني مع هذه الجماعات، الذي يتيح لها الاستمرار في ممارسة العنف بشكل شبه علني، وهو ما يثير مخاوف واسعة من انفجار أمني أكبر في المستقبل القريب.
في خضم هذا الوضع، أصبح التحدي الأكبر للجيش والشرطة الإسرائيلية هو محاولة احتواء الفوضى دون أن تتحول إلى مواجهة شاملة، مع العلم أن استمرار سياسة التساهل الحكومية، وغياب الرقابة والمساءلة، يُرسخ ثقافة الإفلات من العقاب بين الشباب المتطرفين، ويجعل الضفة الغربية على شفا بركان جديد قد يخرج عن السيطرة تمامًا.