ظلامٍ بلا نهاية: “راكيفيت”... السجن الذي يبتلع الفلسطينيين تحت الأرض

الرسالة نت - متابعة

في تحقيقٍ صادم لصحيفة ذا غارديان البريطانية، انفتح بابٌ صغير على عالمٍ مظلم تحت الأرض، عالمٌ اسمه “راكيفيت” والذي اطلق عليه أيضا اسم " سيدي تيمان"… لكنه ليس سجنًا بقدر ما هو حفرة تُدفن فيها الأرواح وهي ما تزال تتنفّس. 

هناك، قرب مدينة الرملة، حيث لا يصل الضوء ولا يمرّ الزمن، يُحتجز عشرات الفلسطينيين المدنيين من غزة في ظلام يلتهم الذاكرة والكرامة والإنسان معًا.

تخيل أن تستيقظ كل صباح بلا نافذة، بلا هواء، بلا شمس، بلا أي دليل على أنك ما زلت في هذا العالم.

 الزنازين بلا فتحات، بلا تهوية، بلا لون… مجرد جدران صامتة تحاصر أنفاسًا تترنح بين الخوف والإعياء. 

يمرّ أسبوع، أسبوعان، شهر، وربما أشهر، دون أن يرى المعتقلون ضوء النهار. على الضوء الاصطناعي يمثل لهم تعاقب النهار والليل، وكل ما يسمح لهم بمعرفة أنهم لم يموتوا بعد.

ومع أولى الدقائق، تُسحب الفرش من تحت أجسادهم، ويُترك كل واحد منهم فوق هيكل حديدي بارد كأنه امتدادٌ للعتمة التي يعيش فيها. يجلسون عليه ساعات طويلة، حتى يصبح الألم جزءًا من الجسد. 

 لا يُسمح لهم بالحركة خارج الزنزانة إلا مرة كل يومين، لبضع دقائق فقط، في ساحة ضيقة تحت الأرض أيضًا—كأن الأرض ابتلعتهم بالكامل ولا تريد إعادتهم.

أما ما يحدث داخل المكان، فيسرده من عاشوه كأنهم يروون كابوسًا لم يستيقظوا منه بعد: ضرب، دوس، وهجمات كلاب مكمّمة بالحديد… أصوات النباح والصراخ تمتزج في ذاكرة من فقدوا القدرة على الحماية أو الاحتجاج، بينما يقف الخوف إلى جانبهم مثل رفيق دائم. 

أماالطعام فهو قليل، بالكاد يكفي ليُبقي الجسد حيًا، والرعاية الطبية شبه معدومة؛ الجرح يلتئم وحده أو لا يلتئم، والمرض يُترك لمصيره حتى أن العشرات عادوا بأطراف مبتورة وأمراض مزمنة.

هناك من مضى عليه شهور دون تهمة، دون محاكمة، دون صوت واحد من العالم الخارجي، وكأن العتمة وقّعت أمر اعتقالهم الأبدي. 

كان هذا المعتقل مهجورا ثم بعد السابع من أكتوبر 2023، أعاد الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير تشغيل هذا السجن، كأنه يوقظ وحشًا كان نائمًا في باطن الأرض.

لطالما حذرت  منظمات حقوق الإنسان من أن ما يجري في “راكيفيت” ليس مجرد انتهاك، بل جرح مفتوح في جسد الإنسانية. فالمكان ليس فقط سجنًا… إنه مساحة تُسحَق فيها النفس قبل الجسد، ويُختبر فيها صبر الإنسان على غيابه هو نفسه.

هناك، في عمق الأرض، يكافح المعتقلون ليحتفظوا بآخر ما تبقى في داخلهم من إنسانية. وفي الخارج، لا يزال العالم يتنفس الضوء، دون أن يسمع الصدى البعيد لخطواتهم المكبوتة خلف جدران من الموت.