تشهد الحرب السيبرانية بين إيران وإسرائيل تصعيدًا غير مسبوق، بعد سلسلة عمليات معقدة أعلنت عنها مجموعة قرصنة تُعرف باسم "حنظلة"، التي باتت في صدارة المشهد الأمني، ليس فقط بسبب قدرتها على اختراق الأنظمة الإسرائيلية الحساسة، بل أيضًا بسبب انتقالها من سرقة البيانات الرقمية إلى تهديدات مباشرة بالقتل ونشر قوائم اغتيال للعاملين في الصناعات الدفاعية والعلماء الإسرائيليين.
أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن مجموعة "حنظلة" زعمت أنها اخترقت سيارة عالم نووي إسرائيلي كبير، ووضعت داخلها باقة زهور ورسالة تهديد تحمل بيانات شخصية دقيقة، في حادث قالت القناة 14 إنها لا تستطيع تأكيد حصوله، لكنها اعترفت بأنه أحدث “قلقًا بالغًا” داخل الأجهزة الأمنية.
وذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن القراصنة قدموا تفاصيل حول العالم المستهدف وسيارته، بينما نقلت قناة "العالم" الإيرانية أن العملية تمت ميدانيًا من خلال فريق تابع للمجموعة، ترك باقة الزهور مختومة بتوقيع “جبهة المقاومة الشعبية – محققو الحقيقة HPR”، في إشارة إلى امتلاك المجموعة قدرة على الوصول الميداني داخل إسرائيل، وليس فقط عبر الفضاء الإلكتروني.
ورغم غياب التأكيد الرسمي من الجانب الإسرائيلي، استغل الاحتلال الحادث للتحذير من "تطور خطير في أساليب الحرب الإيرانية"، وفق تعبيره.
من اختراق محطات الوقود إلى تسريب 2 تيرابايت من البيانات
لا تُعد عملية تهديد العالم النووي الأولى من نوعها بالنسبة لمجموعة "حنظلة". فهذه المجموعة السيبرانية كانت قد تبنّت سابقًا عدة هجمات واسعة، بينها:
• اختراق منظومة شركتي الوقود "Delkol" و"Delek" في يونيو الماضي.
• سرقة أكثر من 2 تيرابايت من البيانات المشفرة من شركات الوقود.
• تهديد بتعطيل محطات التزوّد بالوقود للطائرات المقاتلة الإسرائيلية.
• اختراق شركة Aerodreams الأميركية المطوّرة لأنظمة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية وسرقة 400 غيغابايت من بياناتها الداخلية.
• استهداف شركة "واي جي نيو إيدان"، أحد المقاولين الرئيسيين لوزارة الدفاع الإسرائيلية.
هذه العمليات المتتالية أكسبت المجموعة سمعة بأنها الأكثر جرأة وتنظيماً بين الجماعات السيبرانية المرتبطة بإيران.
من هي "حنظلة"؟
ظهرت مجموعة "حنظلة" للمرة الأولى بشكل علني عام 2020، عبر مجموعات تلغرام ومواقع مظلمة (Dark Web)، وقدّمت نفسها كجناح من “المقاومة السيبرانية” التي تستهدف إسرائيل.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي يربطها بالحرس الثوري الإيراني، تشير معظم التقديرات الإسرائيلية إلى أنها واجهة إلكترونية لفرق هجومية إيرانية تعمل تحت وحدة “السايبر الدفاعي والهجومي” في طهران.
تميزت “حنظلة” بأسلوب يختلف عن غيرها من مجموعات القرصنة التقليدية:
1. تنشر البيانات المسروقة بسرعة وعلانية.
2. تدمج بين العمليات الرقمية والنشاط الميداني، كما تزعم.
3. تستخدم رموزًا سياسية وإعلامية قوية مثل التهديدات المباشرة والبيانات الصوتية.
4. تراهن على الحرب النفسية عبر إرسال رسائل تهديد إلى آلاف الإسرائيليين.
وقد عُرف عنها أنها من أكثر المجموعات التي تتباهى بنتائج هجماتها، وتقدّم نفسها كجزء من "حرب وجودية" ضد الاحتلال.
اختراق شركات الإنترنت… وضرب البنية الأساسية
العملية الأبرز للمجموعة كانت في العام الماضي عندما تمكنت من اختراق:
• شركة 099 Israel
• شركة Primo
وهما من أهم مزوّدي خدمات الإنترنت في إسرائيل.
وبحسب وسائل إعلام عبرية، استخدمت المجموعة بنيتهما لإرسال 150 ألف بريد رسمي لجهات إسرائيلية، ما عدّته الأجهزة الأمنية "خرقًا استراتيجيًا" للبنى التحتية الحيوية.
فبحسب موقع i24NEWS، تلقّى موظف في الصناعات العسكرية الإسرائيلية رسالة تهديد مباشرة على بريده الإلكتروني تقول:" سأنتقم لمقتل قاسم سليماني… قد آتي اليوم أو غدًا ليلًا. لن تتمكن من الهرب،هذه أول مرة تتجه فيها مجموعة سيبرانية إلى تهديد شخصي مباشر بالقتل.
كما نشرت المجموعة:
• بيانات شخصية لموظفين دفاعيين.
• صورًا شخصية.
• أرقام هواتف وعناوين منازل.
• بريدهم الإلكتروني.
• وظائفهم داخل منشآت أمنية حساسة.
وأعلنت مكافأة تصل إلى:
• 100 ألف دولار لمن يلحق أذى جسديًا بالمستهدفين.
• 10 آلاف دولار لأية معلومة تؤدي لاعتقال موظفين آخرين.
وصف خبراء الأمن السيبراني الإسرائيليون هذا التطور بأنه:دمج خطير بين الهجوم الإلكتروني والتحريض على العنف الجسدي.
قوائم اغتيال لعلماء وأكاديميين
شملت القوائم التي نشرتها المجموعة شخصيات أكاديمية إسرائيلية، بينها:
• داني حايموفيتش – رئيس جامعة بن غوريون.
• شيكما بريسلار – ناشطة وأستاذة في معهد وايزمان.
واتهمتهم المجموعة بالمشاركة في “الإبادة بحق الفلسطينيين”، دون تقديم أدلة.
كما ظهر موقع إلكتروني مجهول – ربطته إسرائيل بإيران – نشر قوائم تضم علماء وباحثين مع مكافآت مقابل اغتيالهم.
إسرائيل: تهديد وجودي وليس مجرد "هاكرز"
تقول “جيروزاليم بوست” إن التهديدات الأخيرة أعادت فتح نقاش واسع حول قدرة إيران على،الوصول إلى البنية التحتية العسكرية، والتأثير على المعركة النفسية داخل إسرائيل، واستهداف الأفراد داخل المجتمع الإسرائيلي مباشرة.
ويؤكد خبراء أن خطورة "حنظلة" لا تكمن فقط في قدراتها التقنية، بل في استعدادها لكشف كل ما تسرقه دون قيود، واستهداف أشخاص بشكل مباشر بدل استهداف مؤسسات فقط، وكذلك توظيف بُعد “الثأر” في رسائلها العلنية، وإنشاء حالة خوف داخل المجتمع الإسرائيلي.
وبحسب "جويش نيوز سنديكيت"، تتوقع أجهزة الاستخبارات أن تكون الهجمات تمهيدًا لجولة مواجهة جديدة، خصوصًا بعد أن رصدت تقارير غربية:وصول شحنات كبيرة من بيركلورات الصوديوم من الصين إلى إيران، وهي مادة أساسية لإنتاج الوقود الصاروخي، وإعادة ترميم منشآت تم قصفها في عملية "الأسد الصاعد".
كل ذلك يعزز اعتقاد إسرائيل بأن "حنظلة" ليست مجرد مجموعة هاكرز، بل جزء من منظومة إيرانية متكاملة تستعد لمرحلة صراع أشمل.