الخط الأصفر.. خريطة جديدة تُرسَم بالقوة ومليونا مواطن محاصرون في 42% من غزة

الخط الأصفر.. خريطة جديدة تُرسَم بالقوة ومليونا مواطن محاصرون في 42% من غزة
الخط الأصفر.. خريطة جديدة تُرسَم بالقوة ومليونا مواطن محاصرون في 42% من غزة

الرسالة نت- خاص

في اليوم الثاني والخمسين من بدء وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بدأت تتكشف ملامح واقع ميداني جديد يختلف عمّا كان قبل الحرب؛ إذ يعيش سكان القطاع تحت وطأة معاناة يومية تتجدد مع كل خطوة يخطونها داخل محيط بات محاصرًا بما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء".

هذه المناطق الواسعة التي استولى عليها الاحتلال لإنشاء أحزمة أمنية فاصلة أدّت إلى تقليص المساحة الفعلية القابلة للعيش وخنق أكثر من مليوني إنسان داخل بقعة لا تتجاوز 42% من مساحة القطاع.

إعادة رسم القطاع

ورغم الهدوء النسبي المفترض خلال فترات وقف إطلاق النار، شهدت المناطق المحاذية لهذا الخط قصفًا جويًا ومدفعيًا متكررًا، إلى جانب تحليق مكثف لمروحيات الاحتلال التي لا تتوقف عن إطلاق النار في المناطق الشرقية، لتظل هذه المناطق واحدة من حلقات الخطر اليومي الذي يعيشه السكان.

ونقلت مصادر أمنية (إسرائيلية) أن جيش الاحتلال يعتزم الإبقاء على السيطرة الكاملة على المنطقة المعروفة بالخط الأصفر خلال الفترة المقبلة.

ويحاول الاحتلال إعادة رسم خريطة القطاع ميدانيًا، والضغط على البنية المدنية والاقتصادية، بحيث تتحول الأرض إلى ورقة في أي مسار سياسي قادم.

ومع ساعات المساء يتبدل المشهد قرب المناطق المحاذية للخط الأصفر، حيث تزداد حركة آليات الاحتلال وتُسمع أصوات تفجيرات ناجمة عن نسف المباني المتبقية، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة تحليق المروحيات.

وينعكس هذا الواقع أيضًا على أعداد الضحايا، إذ وثقت منظمات حقوقية حالات إطلاق نار على مدنيين لمجرد اقترابهم من مناطق محاذية للخط، حتى قبل بلوغه بعشرات الأمتار.

ويرى مختصون أن هذا السلوك يعكس محاولة لترسيخ سياسة الردع ومنع العودة إلى المناطق التي يسعى الاحتلال لإبقائها خالية من السكان.

خنق تاريخي

تشير البيانات الميدانية إلى أن مساحة "المنطقة الصفراء" تشكّل نحو 58% من أراضي قطاع غزة بعد التوسع الأخير خلال الحرب، ما يعني أن أكثر من 2.3 مليون مواطن أصبحوا محشورين داخل 42% فقط من مساحة القطاع، في واحدة من أكبر عمليات الحشر الجغرافي في التاريخ الحديث.

وقد ابتلعت هذه المنطقة آلاف الدونمات الزراعية والسكنية، وحوّلت مساحات واسعة إلى أراضٍ مقفرة تُمنع فيها الزراعة والبناء وحتى المرور.

ووفق البيانات، يضع الخط الأصفر:

57.8% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة المباشرة للاحتلال،

68.3% من مساحة محافظة خان يونس،

62.9% من مساحة رفح،

64.3% من مساحة مدينة غزة،

43.8% من مساحة شمال القطاع،

21.9% من مساحة محافظة دير البلح.

انهيار الزراعة

لم تسلم الأراضي الزراعية من تمدد "المنطقة الصفراء"، إذ جرف الاحتلال خلال الشهور الماضية آلاف الدونمات من المحاصيل الزراعية والمراعي، ودمّر حقول الزيتون والحمضيات والخضروات التي كانت تمثل مصدر رزق أساسيًا لآلاف العائلات.

وتشير شهادات مزارعين من شرق غزة ورفح ودير البلح إلى أن الاحتلال دمّر محاصيل عمرها سنوات طويلة، ونسف شبكات الري والبنية الزراعية بالكامل، في خطوة تهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى فراغ عازل.

ووفق تقارير وزارة الزراعة، فإن معظم الأراضي الزراعية في غزة تقع شرق الخط الأصفر، وهي المناطق التي باتت اليوم خاضعة للسيطرة المباشرة للاحتلال، ما يمنع المزارعين من الوصول إليها ويقوّض قدرتهم على استعادة الإنتاج المحلي الذي كان يشكّل ركيزة أساسية لغذاء القطاع.

ويعني ذلك خسارة آلاف الدونمات الزراعية، وتراجع إنتاج الخضروات الأساسية، وفقدان موسم الزيتون والحمضيات في العديد من المناطق الشرقية، وانهيار مصدر رزق آلاف العائلات الزراعية.

سياسة فصل.. من غزة إلى الضفة

تشبه سياسة "المنطقة الصفراء" في غزة سياسة الجدار الفاصل في الضفة الغربية؛ إذ يستخدم الاحتلال أدوات مختلفة لتحقيق هدف واحد: عزل الفلسطينيين في كانتونات منفصلة، ومصادرة الأراضي الزراعية، والسيطرة على المناطق الحيوية، وفرض واقع ديمغرافي وجغرافي جديد.

ففي الضفة ابتلع الجدار مئات آلاف الدونمات، وفي غزة تتولى "المنطقة الصفراء" الدور ذاته عبر هندسة جغرافيا القطاع بما يخدم المخطط الاحتلالي.

واعتبرت منظمات إنسانية دولية أن استمرار منع المواطنين من الاقتراب من منازلهم لم يعد يبدو كإجراء مؤقت مرتبط بالعمليات العسكرية، بل خطوة نحو واقع جديد يشبه العزل طويل الأمد، على غرار المناطق الأمنية التي فُرضت تاريخيًا قرب الجدار أو المستوطنات.

وتشير المعطيات على الأرض إلى أن توسيع الخط يمهّد لمرحلة شبيهة بـ"احتلال جزئي ممتد"، حيث تُدار مناطق كاملة كأحزمة أمنية مغلقة ويُمنع السكان من العودة إليها لسنوات.

إن الخط الأصفر لم يعد مجرد خط على خريطة، بل حدّ فاصل بين حياة كانت موجودة… وحياة تُعاد صياغتها بالقوة.

ومع استمرار الاحتلال في توسيع سيطرته داخل المناطق الشرقية، تبدو غزة مقبلة على مرحلة جديدة تتجاوز آثار الحرب المباشرة، نحو إعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا.

وبينما يعيش أكثر من مليوني إنسان محاصرين في أقل من نصف مساحة القطاع، تتسع المخاوف من أن يتحول الخط الأصفر إلى حد دائم يقسّم غزة ميدانيًا ويعيد تشكيل مستقبلها السياسي والإنساني.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير