"مقابر بلا أسماء": تحقيقات تكشف سياسة "إسرائيلية" ممنهجة لإخفاء الشهداء في غزة

"مقابر بلا أسماء": تحقيقات تكشف سياسة "إسرائيلية" ممنهجة لإخفاء الشهداء في غزة
"مقابر بلا أسماء": تحقيقات تكشف سياسة "إسرائيلية" ممنهجة لإخفاء الشهداء في غزة

الرسالة نت- متابعة خاصة

تتصاعد في قطاع غزة أزمة إنسانية جديدة تتعلق بملف الشهداء والمفقودين، حيث تتزايد الأدلة على اتباع الاحتلال الإسرائيلي سياسة ممنهجة لإخفاء الهوية الحقيقية لعدد كبير من الضحايا، واحتجاز جثامينهم دون إعلان رسمي أو شفافية.

 ومع استمرار الحرب وتدمير النظام الصحي والمرافق المدنية، باتت العائلات الفلسطينية عاجزة عن معرفة مصير أبنائها، في واحدة من أكثر القضايا إيلامًا وتعقيدًا،وتُظهر المعطيات أن هذا الإخفاء ليس نتاج الفوضى الميدانية فحسب، بل جزء من نهج مدروس يهدف إلى التشويش على التوثيق، والمراوغة في السجلات الرسمية، واستخدام الجثامين كورقة ابتزاز سياسي.

وتشير الشهادات والوثائق الحقوقية إلى أن الاحتلال انتهج، منذ الأسابيع الأولى للحرب، مسارًا منهجيًا يقوم على التعتيم الكامل حول أعداد الشهداء وهوياتهم. ويظهر ذلك في امتناعه المتكرر عن نشر بيانات رسمية دقيقة، أو تقديم معلومات موحدة حول الجثامين التي يتم نقلها من مناطق القصف أو الاجتياحات البرية. ويتم التعامل مع ملف الجثامين باعتباره ملفًا أمنيًا وسياسيًا، وليس قضية إنسانية تستوجب الوضوح.

وتكشف مصادر طبية داخل غزة أن قوات الاحتلال نقلت خلال الاقتحامات البرية مئات الجثامين من المستشفيات والمنازل والملاجئ دون تسجيلها أو إخطار الجهات الصحية الفلسطينية. وتؤكد أن هذه العمليات كانت تتم بصورة عشوائية ومتعمدة في الوقت ذاته، حيث يتم انتشال جثامين المدنيين ونقلها إلى مواقع مجهولة.
بيانات إسرائيلية مبتورة وغير قابلة للتحقق

عند مراجعة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية أو المتحدثون الرسميون، يتضح أن المعلومات المقدمة حول الجثامين تعتمد غالبًا على قوائم أولية، متغيرة، وغير موثوقة. وتُرفق هذه القوائم عادةً بتحفظات واسعة مثل “قد يطرأ عليها تغيير”، أو “ما زالت قيد التحقق”، ما يُبقي المجال واسعًا أمام التضليل والإنكار.

وحتى عندما يُعلن الاحتلال عن أسماء محدودة، غالبًا ما تكون القوائم: بلا تاريخ استشهاد واضح، وبلا مكان انتشال الجثة وبلا تفاصيل تتعلق بظروف الوفاة، وبلا تأكيد رسمي من جهة طبية مستقلة.

ويؤدي ذلك إلى خلق فراغ معلوماتي مقصود يعطّل أي محاولة للتحقق الحقوقي أو القانوني، ويجعل من توثيق الشهداء والمفقودين مهمة شبه مستحيلة.

يؤكد نشطاء حقوقيون وأطباء أن الاحتلال يمارس سياسة ممنهجة في إخفاء أسماء وهويات الشهداء، خصوصًا في المناطق التي شهدت عمليات اجتياح كثيفة مثل شمال غزة ورفح. وتشمل هذه السياسة:

• احتجاز الجثامين دون تسجيل رسمي

• الامتناع عن تسليم الجثامين للعائلات

• عدم السماح للمنظمات الدولية بالوصول إليها

• رفض نشر قوائم موحدة ومنظمة

وتسببت هذه الممارسات في مآسٍ إنسانية عميقة، إذ تعيش آلاف العائلات حالة "الانتظار القاسي" بين احتمال أن يكون أبناؤها شهداء أو مفقودين أو محتجزين. ويمنع هذا السلوك العائلات من أداء طقوس الدفن أو الحداد، ويُبقيها في دائرة الألم المستمر.

وتُعد سياسة الإخفاء واحدة من أخطر العوامل التي تعرقل عمل المؤسسات الحقوقية، سواء المحلية أو الدولية. فغياب المعلومات يحول دون: تحديد العدد الحقيقي للشهداء، ومعرفة أماكن الاحتجاز أو الدفن، وإجراء فحوصات جنائية لتحديد سبب الوفاة، وايضاجمع الأدلة اللازمة لرفع ملفات جرائم الحرب.

كما يُتيح هذا الغموض للاحتلال مساحة أكبر للمناورة خلال المفاوضات المتعلقة بتبادل الأسرى أو الترتيبات الإنسانية، ما يحوّل الجثامين إلى ورقة سياسية بدلًا من كونها حقًا إنسانيًا وأخلاقيًا.

وتشير تقارير قانونية إلى أن احتجاز الجثامين ورفض الكشف عن مصير المفقودين يشكل انتهاكًا صريحًا لاتفاقية جنيف الرابعة، التي تفرض على أطراف النزاع ضمان تسجيل وتسليم الجثامين والتعامل معها بكرامة.

بدوره كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، اليوم، عن معطيات خطيرة تشير إلى اتّباع الجيش الإسرائيلي نمطًا ممنهجًا في دفن جثامين فلسطينيين داخل مقابر مجهولة، لا سيما في محيط مراكز توزيع المساعدات التي فرضها وسط وجنوب قطاع غزة، وهو سلوك يرى فيه المرصد انتهاكًا جسيمًا يستوجب تحقيقًا ومساءلة جنائية دولية عاجلة.

وقال المرصد إن التحقيق الذي نشرته شبكة سي إن إن مؤخرًا بشأن دفن الجيش الإسرائيلي جثامين فلسطينيين قرب نقاط توزيع المساعدات يعزّز ما توصلت إليه فرق التوثيق الميدانية التابعة له، مشيرًا إلى أن نتائجه تستند إلى برنامج توثيق موسع شمل مقابلات مع ناجين وشهود عيان وأسر مفقودين، إضافة إلى تحليل بصري منظّم للبيانات المتاحة.

وأشار المرصد إلى أن قوات الجيش الإسرائيلي عمدت في حالات متكررة إلى دفن جثامين فلسطينيين في ساحات عامة ومناطق قريبة من منشآت حيوية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومراكز توزيع المساعدات. وأكد أن عمليات الدفن كانت تتم بعد إغلاق المناطق عسكريًا ومنع الطواقم الطبية وذوي الضحايا من الوصول إلى الجثامين أو نقلها ودفنها وفق الأصول.

وأوضح المرصد أن هذا النمط المتكرر في التعامل مع الجثامين يؤدي إلى طمس الأدلة المحتملة على عمليات قتل غير مشروع، ويحول دون أي تحقيق فعال فيها، كما يُبقي هوية الضحايا ومواقع دفنهم مجهولة، ويحرم عائلاتهم من معرفة مصير أبنائهم.

وذكر أن عائلات فلسطينية عثرت، عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق، على جثامين أقاربها مدفونة في حُفر سطحية تركها الجيش خلفه، خصوصًا في محيط مراكز توزيع المساعدات وعلى طول ممرات التهجير القسري. وأشار إلى توثيق شهادة متعاقد ألماني عمل مع مؤسسة إنسانية في غزة، أكد أنه شاهد جنودًا إسرائيليين يطلقون النار على مدنيين كانوا يحاولون الحصول على مساعدات إنسانية، ما أدى إلى مقتل عدد منهم، قبل أن يُطلب منه لاحقًا "تنظيف المنطقة"، بما في ذلك جرف الجثامين وبقاياها.

وبحسب المرصد، فإن ما لا يقل عن 45 شخصًا فُقدت آثارهم في محيط مراكز توزيع المساعدات في القطاع خلال الأشهر الماضية، وما يزال مصيرهم مجهولًا حتى الآن، مرجحًا أن يكون جزءٌ منهم دُفن في المواقع التي أنشأها الجيش الإسرائيلي خلال عملياته العسكرية.

وطالب المرصد جميع الجهات الدولية المعنية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بفتح تحقيق دولي مستقل وشامل في عمليات الدفن التي نفذها الجيش الإسرائيلي في المناطق المكتظة ونقاط المساعدات وممرات التهجير القسري، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي ملزم بالإفصاح الفوري عن جميع مواقع المقابر الجماعية والفردية التي أنشأها في غزة.

كما شدّد على ضرورة منع أي نقل أو إتلاف للجثامين أو العبث بالأدلة، وفتح المجال أمام فرق طب شرعي مستقلة للدخول إلى القطاع وفحص مواقع الدفن، بما يضمن توثيق الانتهاكات وتحديد هويات الضحايا وتمكين عائلاتهم من معرفة مصير أحبّتهم.

وأشار المرصد إلى أن استمرار الاحتلال في دفن الجثامين بهذه الطريقة يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويمثل حلقة جديدة في سلسلة الجرائم التي تلحق بالفلسطينيين خلال الحرب على قطاع غزة.