لم يكن المنخفض الجوي الأخير مجرد حالة طقس عابرة في قطاع غزة؛ فقد تحوّل إلى كارثة حقيقية بعدما انهارت خمسة مبانٍ سكنية في مناطق متفرقة من القطاع، نتيجة الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي كشفت هشاشة ما تبقّى من البنية التحتية، وأعادت فتح جرحٍ لم يلتئم منذ الحرب.
وأدى انهيار أحد تلك المباني في معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة إلى استشهاد شاب ثلاثيني، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، في حادثة وصفتها طواقم الدفاع المدني بأنها «قابلة للتكرار في أي لحظة» في ظل توسّع رقعة المنازل الآيلة للسقوط.
لا خيارات آمنة
وتقول فرق الإنقاذ إن المباني التي صمدت خلال الحرب أصبحت اليوم عالية الخطورة، بعدما أنهكتها الشظايا والتفجيرات وغياب الصيانة، فيما تدفع الأمطار الغزيرة بالأهالي إلى مغادرتها، لكنهم لا يجدون بديلًا آمنًا.
وفي المخيمات التي تعجّ بالخيام البالية، يعيش النازحون كارثة من نوع آخر. فالخيام التي مُدّت على عجل لم تعد قادرة على حمايتهم من شدة المطر والرياح، لتتحول خلال ساعات المنخفض إلى بركٍ من المياه. وقد تحدّثت كثير من العائلات عن غرق خيامها بالكامل، واضطرارها للوقوف طوال الليل ممسكة بالأعمدة المتمايلة حتى لا تسقط فوق أطفالها.
من جانبها، حذرت بلديات القطاع والدفاع المدني من استمرار انهيار المنازل، داعيةً إلى إخلاء المباني المتصدعة فورًا، إلا أنّ غالبية السكان لا يملكون خيارًا آخر، فـ«ما بين بيتٍ آيل للسقوط وخيمة غارقة… لا توجد مساحة آمنة للحياة».
وتشير تقديرات هندسية محلية إلى وجود آلاف المنازل التي أصبحت غير صالحة للسكن بسبب التشققات، وهبوط الأساسات، وتضرر الأعمدة الحاملة.
وتكشف الإحصاءات الصادرة عن الجهات الحكومية أن نحو 400 ألف وحدة من فئتي الهدم الكلي وغير الصالح للسكن خرجت عن الخدمة، وهو ما يمثّل 80% من إجمالي عدد الوحدات السكنية في القطاع، البالغة قرابة 500 ألف وحدة.
ووفق التقديرات الهندسية، فإن أكثر من 20 ألف وحدة سكنية تتطلب إزالة عاجلة بسبب خطورتها البالغة على حياة السكان والمارّة، في حين أن جزءًا كبيرًا من هذه المباني يسكنه نازحون لا يجدون بديلاً، ما يزيد من احتمالات وقوع كوارث إنشائية.
ومع سقوط الأمطار وهبوب الرياح، يرتفع مستوى المخاطر بصورة واضحة، إذ تتسبب السيول والرياح الشديدة في انجرافات للتربة قد تهدد استقرار المباني المتصدعة. ويدفع ذلك كثيرًا من العائلات إلى ترك الخيام والمراكز المؤقتة — التي لا توفر الحد الأدنى من الحماية — واللجوء إلى منازل إسمنتية خطرة اتقاءً لبرودة الطقس، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياتهم.
وطالبت الجهات المختصة المؤسسات الدولية والمحلية بالضغط على الاحتلال للسماح بإدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام والمباني الخطرة، إضافة إلى مستلزمات عاجلة غير إسمنتية — مثل الشوادر والخشب وصفائح الإسبست ومواد أساسية أخرى — لتجهيز وتحسين مراكز الإيواء المؤقت. ورغم الطلبات المتكررة منذ الهدنة الأولى، ما يزال الاحتلال يمنع إدخال هذه الاحتياجات.
ويؤكد مهندسون ميدانيون أن استمرار العائلات داخل هذه المباني قد يؤدي إلى انهيارات مفاجئة، خاصة مع الرياح الشديدة وتراكم مياه الأمطار فوق الأسقف المتضررة. ورغم التحذيرات المتكررة، يبقى كثيرون متمسكين ببقايا منازلهم لغياب البدائل ولعدم قدرتهم على تأمين إيجارات أو مأوى آخر.
مشهد قد يتكرر
وذكر جهاز الدفاع المدني أن المباني التي تعرضت لانهيارات جزئية يقع ثلاثة منها في حيي تل الهوى والنصر غربي مدينة غزة، واثنان في حي الزيتون جنوبي شرقي المدينة، وكانت تؤوي عددًا من الفلسطينيين الذين نزحوا إليها لعدم توفر بدائل سكنية.
وحذّر الدفاع المدني من مخاطر انهيار المباني المتضررة والآيلة للسقوط التي لجأت إليها عائلات نازحة، خاصة مع المنخفض الجوي الذي يضرب القطاع، وما يجلبه من أمطار تؤدي إلى انجراف التربة وتصدعات إضافية في الجدران والأعمدة التي تضررت بفعل القصف.
وأهاب الجهاز بالنازحين الذين عادوا إلى السكن في المباني والمنازل التي استهدفها الاحتلال الإسرائيلي بالحذر الشديد وإخلائها إذا كانت متصدعة وغير صالحة للسكن، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته وتوفير بدائل سريعة وآمنة للمواطنين — من خيام وكرفانات ومراكز إيواء — إلى حين بدء عملية إعادة الإعمار.
ويبقى سكان غزة بين خيارين أحلاهما مرّ: بيوتٌ آيلة للسقوط قد تهوي فوق رؤوسهم، أو خيامٌ تغرق مع أول موجة مطر.
وبين هذا وذاك، يحاول الناس النجاة بحدٍّ أدنى من الحياة، في شتاء لا يرحم، وبنية تحتية مدمرة، وسماء تمطر أكثر مما يمكن للقلوب المرهقة أن تتحمّله.